يعلم أَن النَّاس لَا يعاونونه حَتَّى تحصل الْمصلحَة بل يعصونه فيعذبون لم يكن خلقه وَاجِبا بل وَلَا حِكْمَة على قَوْلهم

وَيُقَال ثَانِيًا لَيْسَ كل النَّاس عصاة بل بَعضهم عصوه ومنعوه وَبَعْضهمْ يُؤثر طَاعَته وَمَعْرِفَة مَا يَقُوله فَكيف لَا يُمكن هَؤُلَاءِ من طَاعَته فَإِن قيل أُولَئِكَ الظلمَة منعُوا هَؤُلَاءِ قيل فَإِن كَانَ الرب قَادِرًا على منع الظلمَة فَهَلا مَنعهم على قَوْلهم وَإِن لم يكن ذَلِك مَقْدُورًا فَهُوَ يعلم أَن حُصُول الْمصلحَة غير مقدورة فَلَا يَفْعَله فَلم قُلْتُمْ على هَذَا التَّقْدِير إِنَّه يُمكن خلق مَعْصُوم غير نَبِي فَهَذَا لَازم لكم

فَإِن قُلْتُمْ إِن الله خَالق أَفعَال الْعباد أمكنه صرف دواعي الظلمَة حَتَّى يطاع وَإِن قُلْتُمْ لَيْسَ هُوَ خَالق أَفعَال الْعباد قيل فالعصمة إِنَّمَا تكون بِأَن يُرِيد الْفَاعِل الْحَسَنَات وَلَا يُرِيد السَّيِّئَات وَهُوَ عنْدكُمْ لَا يقدر أَن يُغير إِرَادَة عَبده فَلَا يقدر على جعله مَعْصُوما فَبَطل الْمَعْصُوم على أصل الْقَدَرِيَّة إِذْ الْعِصْمَة أَن يُرِيد العَبْد الْحَسَنَات فَقَط فَإِذا كَانَ هُوَ الْمُحدث لإِرَادَة نَفسه فَالله عِنْدهم لَا يقدر على إِحْدَاث إِرَادَة أحد امْتنع مِنْهُ أَن يَجْعَل أحدا مَعْصُوما

وَإِذا قَالُوا بِخلق مَا تميل بِهِ إِرَادَته إِلَى الْخَيْر قيل إِن كَانَ ذَلِك ملجئا زَالَ التَّكْلِيف وَإِلَّا لم ينفع

وَإِن كَانَ ذَلِك مَقْدُورًا عنْدكُمْ فَهَلا فعل ذَلِك بِجَمِيعِ الْعباد فَإِنَّهُ أصلح لَهُم إِذا أوجبتم عَلَيْهِ فعل الْأَصْلَح بِكُل عبد وَذَلِكَ لَا يمْنَع الثَّوَاب عنْدكُمْ كَمَا لَا يمنعهُ فِي حق الْمَعْصُوم

وَجه ثامن أَن يُقَال حَاجَة الْمَرْء إِلَى تَدْبِير بدنه بِنَفسِهِ أعظم من حَاجَة الْمَدِينَة إِلَى تَدْبِير رئيسها وَإِذا كَانَ الله لم يخلق نفس الْإِنْسَان معصومة فَكيف يجب عَلَيْهِ أَن يخلق رَئِيسا مَعْصُوما مَعَ أَن الْإِنْسَان لَا يُمكنهُ أَن يكفر بباطنه ويعصي بباطنه

وَجه تَاسِع أَن يُقَال هَل الْمَطْلُوب من الْمَعْصُوم إعدام الْفساد أم تقليله فَالْأول مَا وَقع فِي الْعَالم وَالثَّانِي يحصل بِلَا مَعْصُوم كزمن أبي بكر وَعمر أَكثر مِمَّا حصل بعلي أَو مثله وَحصل بِسَائِر الْخُلَفَاء مَا حصل بِسَائِر الْأَئِمَّة الإثني عشر كَمَا قيل سِتُّونَ سنة

طور بواسطة نورين ميديا © 2015