على يدي المَلَك أو الشيطان، إمّا بأمثالها، وإمَّا أمثالًا بكناها، وإمّا تخليطًا. ونظيرُ ذلك في اليقظةِ الخواطرُ، فإنّها تأتي على نَسَقٍ في قصدٍ، وتأتي مسترسلة غير محصّلة.
فإذا خلق اللهُ ذلك في المنامِ على يدي المَلَكِ، كان وحيًا منظومًا، وبرهانًا مفهومًا. هذا نحو كلام الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني. والَّذي صار إليه القاضي أبو بكر بن الطَّيِّب أنّها اعتقادات. وإنّما دارَ هذا الخلاف بينهُما؛ لأنْه قَد يرى نفسَهُ بهيمةً أو مَلَكًا أو طائرًا، وليس هذا إدراكًا؛ لأتها ليست حقيقة، فصار القاضي إلى أنّها اعتقادات؛ لأنّ الاعتقادَ قد يأتي على خلافِ المعتقدِ، وذَهِلَ عن التفطُّن؛ لأنّ هذا المرئيّ مثلٌ، والإدراكُ إنّما يتعلّق بالمثل.
حديث رؤية النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم - (?):
وقالت القَدَريّة: إنَّ الرُّؤيَا لا حقيقةَ لها، وتعسًا لهم، وقد بيَّنَّا فساد قولهم في غير ما موضعٍ. وقد غَلَا صالح (?) فيه فقال: كلّ الرُّؤى والرّؤيةُ بالعين الّتي في الرّأس حقيقة. وهذا حماق.
وقيل: هي مُدْرَكَة بعينين في قَلبِه، وهذه عبارةٌ مَجَازيَّةٌ نحو ما قاله الأستاذ أبو إسحاق.
أمّا رؤيةُ النّبيِّ -عليه السّلام-، فلو رآه في المنام بصفته المعلومة، فهو إدراكُ الحقيقة، وإن دلَّ على غيرِ صفته، فهو إدراكُ المِثَالِ.