وعلى هذا ورد قوله من أبياتٍ يصف فرسًا من جملتها:

نعم متاع الدنيا حباك به ... أروع لا جيدرٌ ولا جبس1

فلفظة "جيدر" غليظة، وأغلظ منها قول أبي الطيب المتنبي:

جفخت وهم لا يجفخون بها بهم ... شيمٌ على الحسب الأغرِّ دلائل2

فإن لفظة "جفخ" مرة الطعم، وإذا مرَّت على السمع اقشعرَّ منها، وأبو الطيب في استعمالها كاستعمال تأبَّط شرًّا لفظة "جحيش"، فإن تأبط شرًّا كانت له مندوحة عن استعمال تلك اللفظة، كما أشرنا إليها فيما تقدَّم، وكذلك أبو الطيب في استعمال هذه اللفظة التي هي "جفخت", فإن معناها: فخرت، والجفخ: الفخر، يقال: "جفخ فلان"، إذا فخر، ولو استعمل عوضًا عن "جفخت" "فخرت" لاستقام وزن البيت, وحظي في استعماله بالأحسن.

وما أعلم كيف يذهب هذا وأمثاله على مثل هؤلاء الفحول من الشعراء؟!

وهذا الذي ذكرته وما يجري مجراه من الألفاظ هو الوحشيّ اللفظ, الغليظ الذي ليس له ما يدانيه في قبحه وكراهته، وهذه الأمثلة دليل على ما أوردناه.

والعرب إذن لا تلام على استعمال الغريب الحسن من الألفاظ, وإنما تلام على الغريب القبيح، وأما الحضريّ فإنه يلام على استعمال القسمين معًا، وهو في أحدهما أشدّ ملامة من الآخر.

على أنَّ هذا الموضع يحتاج إلى قيد آخر، وذلك شيء استخرجته أنا دون غيري، فإني

طور بواسطة نورين ميديا © 2015