ولا تحيا الأمم ولا ترقى الشعوب إلا بعظمائها، وعظماء أمّة الإسلام هم أهل الصلاح والإصلاح، الذين يحتسبون وجه الله سبحانه فيما ينالهم من العنت والمشقّة حين تأدية واجبهم وتحقيق رسالتهم، والذين يتركون في الناس الذكر الحسن في حياتهم وبعد مماتهم، هم البركة الحقيقيّة والذخيرة التي لا تنضب، يعرف ذلك من لمس أثرهم، وحرص على القرب منهم، وشتّان بين الجليس الصالح، وجليس السوء، فإذا كانت حاجة الأمم إليهم وتعلّقها بهم لا تُقدّر بثمن، فكيف الحال إذا كان تناقصُ أعدادِهم واختفاءُ آثارهم هو علمٌ من أعلام الساعة وأشراطها؟ ذلك هو ما أخبر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صحابته تصريحاً وتلميحاً في غيرما مناسبة، وكان من جملة إخباراته النبويّة ما جاء في حديث مرداس الأسلمي رضي الله عنه مرفوعاً: "يذهب الصالحون الأول فالأول، وتبقى حُفالة، كحفالة الشعير والتمر، لا يباليهم الله بالةً" (?)، وفي رواية: "لا يعبأ الله بهم الله بهم شيئا" (?).
ومعنى "حُفالة": ما يسقط من قشر الشعير عند الغربلة، ومن التمر بعد الأكل، وقد جاء في رواية أخرى بلفظ "حثالة"، وهي بذات المعنى، وأما معنى "لا يباليهم الله بالةً": لا يرفع لهم قدر ولا يقيم لهم وزنا (?) ً.
فهذا الحديث يشير صراحةً إلى أن موت الصالحين وتناقص أعدادهم هو من أشراط الساعة، وأن ذهابهم يكون شيئاً فشيئاً وليس مرّةً واحدة، كما أن في الحديث السابق ترغيبٌ في الاقتداء بالصالحين، والتحذير من مخالفة طريقهم، خشية أن يكون من خالفهم ممن لا يباليه الله ولا يعبأ به، كما ذكر ذلك شرّاح الحديث.
وقريبٌ من الحديث السابق ما جاء في سنن ابن ماجة، ومسند الإمام أحمد، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لتنتقوُنَّ كما يُنتقى التمر من أغفاله، فليذهبن خياركم، وليبقين شراركم، فموتوا ان استطعتم" (?)، ومعنى (من أغفاله): أي مما لاخير فيه.
وعنه رضي الله عنه، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنكم في زمانٍ من ترك منكم عُشر ما أمر به هلك، ثم يأتي زمانٌ من عمل منهم بعشُر ما أمر به نجا" (?).