قال أبو حيان: " وفي ذلك من الاتعاظ والاعتبار ما يوجب مبادرة الازدجار عن مخالفة الملك القهار، وانظر إلى لطف الله بهذه الملة المحمدية، إذ جعل توبتها في الإقلاع عن الذنب، والندم عليه، والعزم على عدم المعاودة إليه" (?).

واختلف في نوع (الفاء) في قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [البقرة: 54]، على وجهين (?):

أحدهما: أنها سببية، وأن الله تعالى جعل توبتهم قتل أنفسهم.

والثاني: أنها للتعقيب، والمعنى فأتبعوا التوبة القتل، تتمة لتوبتكم.

قال أبو حيان: "وقد أنكر في المنتخب كون القتل يكون توبة وجعل القتل شرطاً في التوبة، فأطلق عليه مجازاً، كما يقال للغاصب إذا قصد التوبة: توبتك رد ما غصبت، يعني أنه لا تتم توبتك إلا به، فكذلك هنا" (?).

وقرأ قتادة: {فأقيلوا أنفسكم}، من الإقالة، أي استقيلوا العثرة بالتوبة (?). قال الآلوسي: "والمعنى أن أَنْفُسَكُمْ قد تورطت في عذاب الله تعالى بهذا الفعل العظيم الذي تعاطيتموه، وقد هلكت- فأقيلوها- بالتوبة والتزام الطاعة، وأزيلوا آثار تلك المعاصي بإظهار الطاعات" (?).

قوله تعالى: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُم} [البقرة: 54]، "أي ما ذكر من التوبة والقتل أنفع لكم عند الله من العصيان والإصرار على الذنوب لما فيه من العذاب" (?).

قال سعيد بن جبير: {خَيْرٌ لَكُمْ}، " يعني: أفضل" (?).

قال البيضاوي: " من حيث إنه طهرة من الشرك، ووصلة إلى الحياة الأبدية والبهجة السرمدية" (?).

قوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ}} [البقرة: 54]، " أي قبل توبتكم" (?).

قال الطبري: أي"رَجَعَ لكم ربكم إلى ما أحببتم: من العفو عن ذنوبكم وعظيم ما ركبتم، والصفح عن جرمكم" (?).

قوله تعالى: {إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 54]، "أي عظيم المغفرة واسع التوبة" (?).

قال الطبري: أي" الراجع لمن أناب إليه بطاعته إلى ما يحب من العفو عنه. ويعني ب " الرحيم "، العائد إليه برحمته المنجية من عقوبته" (?).

قال المراغي: " أي إنه هو الذي يكثر توفيق المذنبين للتوبة ويقبلها منهم، وهو الرّحيم بمن ينيب إليه ويرجع، ولولا ذلك لعجل بإهلاككم على ما اجترحتم من عظيم الآثام" (?).

وقال ابن عثيمين: " {التواب} أي كثير التوبة: لكثرة توبته على العبد الواحد، وكثرة توبته على التائبين الذين لا يحصيهم إلا الله، فهو يتوب في المرات المتعددة على عبده، ويتوب على الأشخاص الكثيرين الذين تكثر توبتهم؛ و {الرحيم} أي ذو الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء" (?).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015