القول الثاني: أن {الفرقان}: النصر، الذي فرَّق الله به بين موسى وفرعون، حتى أنجى موسى وقومَهُ، وأغرق فرعون وقومهُ. قاله ابن زيد (?)، وروي عن ابن عباس (?) نحو ذلك.
ومما يعضد هذا الوجه، قول عبدالله بن رواحة، وهو يخاطب النبي -صلى الله عليه وسلم- (?):
فَثَبَّتَ اللهُ مَا آتاكَ مِنْ حَسَنٍ ... تَثْبِيتَ مُوسَى وَنَصْرًا كَالَّذِي نُصِرُوا
فعلى هذا، سمى نصره على فرعون وقومه فرقانًا (?).
وعن يمان بن رباب: " {الفرقان}: انفراق البحر وهو من عظيم الآيات، يدلّ عليه قوله تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ} " (?). وهذا الوجه أيضا يدخل ضمن القول الثاني.
القول الثالث: أن {الفرقان}: هو "علم الكتاب وتبيانه وحكمته". قاله سعيد بن جبير (?).
القول الرابع: أن {الفرقان}، هو القرآن، وهذا قول قطرب، حكاه الزجاج عنه (?)، وعلّلوا قولهم ذلك، من وجهين:
أحدهما: أن الفرقان القرآن وأن معنى إتيانه لموسى عليه السلام، نزول ذكره له حتى آمن به، حكاه ابن الأنباري (?). وضعّفه الآلوسي وقال: "وهو بعيد" (?).
والثاني: حكي "عن الفراء وقطرب، أن الفرقان هو القرآن، والكلام على حذف مفعول، أي: ومحمدا الفرقان، لعلكم تهتدون بهذين الكتابين، فترك أحد الاسمين كقول الشاعر (?):
تَرَاهُ كَأَنَّ اللهَ يَجْدَعُ أَنْفَهُ ... وَعَيْنَيْهِ إِنْ مَوْلاهُ ثَابَ لَهُ وَفْرُ
أراد ويفقأ عينيه، فاكتفى بـ (يجدع) من يفقأ (?).
وضعّفه الأنباري قائلا: هذا البيت لا يشاكل ما احتج به؛ لأن الشاعر اكتفى بفعل من فعل، وعلى ما ذكر في الآية اكتفى من اسم باسم، ولكنه يصح قول قطرب عندي من وجه آخر، وهو أنه لما ذكر الفرقان وهو اسم للقرآن، دل على محمد - صلى الله عليه وسلم - فحذف اتكالًا على علم المخاطبين (?). وكذا اعترض عليه الآلوسي وبعّده (?).
والصحيح هو قول جمهور أهل التفسير، بأن {الفرقان} هو الكتاب الذي فرق به بين الحق والباطل، وهو نعت للتوراة وصفة لها. والله أعلم.