2 ومنها: بيان جهل بني إسرائيل الجهل التام؛ وجه ذلك أن هذا الحلي الذي جعلوه إلهاً هم الذين صنعوه بأنفسهم؛ فقد استعاروا حلياً من آل فرعون، وصنعوه على صورة الثور عجلاً جسداً. لا روح فيه؛ ثم قال السامري: {هذا إلهكم وإله موسى فنسي} [طه: 88]؛ وزعموا أن موسى ضلّ، ولم يهتد إلى ربه، وهذا ربه! والعياذ بالله؛ فكيف يكون المصنوع رباً لكم، ولموسى وأنتم الذين صنعتموه! وهذا دليل على جهلهم، وغباوتهم إلى أبعد الحدود؛ وقد قالوا لموسى. عليه الصلاة والسلام. حينما أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم: {اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة} [الأعراف: 138] قال لهم نبيهم موسى: {إنكم قوم تجهلون} [الأعراف: 138]، وصدق عليه الصلاة والسلام.

3 ومن فوائد الآيتين: أن اتخاذهم العجل كان عن ظلم؛ لقوله تعالى: {وأنتم ظالمون}، وهذا أبلغ، وأشنع في توبيخهم، والإنكار عليهم.

القرآن

{ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52)} [البقرة: 52]

التفسير:

ثمَّ تجاوزنا عن هذه الفعلة المنكرة، وقَبِلْنَا توبتكم بعد عودة موسى؛ رجاءَ أن تشكروا الله على نعمه وأفضاله، ولا تتمادوا في الكفر والطغيان.

قوله تعالى: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ} [البقرة: 52]، أي: " محونا ذنوبكم" (?).

قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} [البقرة: 52]، أي: " بعد عبادتكم العجل" (?).

قال أبو العالية: " يعني من بعد ما اتخذوا العجل" (?). وروي عن الربيع بن أنس مثل ذلك (?).

قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 52]، أي: "لكي تشكروا عفوي عنكم وصنيعي إليكم" (?).

قال عون بن عبدالله: "إن {لعل}، من الله واجب" (?).

و{لعل} هنا للتعليل، بمعنى (كي). قاله أبو مالك (?).

وقال سفيان بن عيينة: "على كل مسلم أن يشكر ربه عز وجل، لأن الله قال: {لعلكم تشكرون} " (?).

و"الشكر يكون بالقلب: وهو إيمان القلب بأن النعمة من الله عزّ وجلّ، وأن له المنة في ذلك؛ ويكون باللسان: وهو التحدث بنعمة الله اعترافاً، لا افتخاراً؛ ويكون بالجوارح: وهو القيام بطاعة المنعِم" (?).

وقال ابن منظور: "والحمد والشكر متقاربان والحمد أَعمهما لأَنك تحمد الإِنسان على صفاته الذاتية وعلى عطائه ولا تشكره على صفاته ومنه الحديث الحمد رأْس الشكر ما شكر الله عبد لا يحمده كما أَن كلمة الإِخلاص رأْس الإِيمان وإِنما كان رأْس الشكر لأَن فيه إِظهار النعمة والإِشادة بها ولأَنه أَعم منه فهو شكر وزيادة" (?).

وقال الراغب: "الشكر: تصور النعمة وإظهارها، قيل وهو مقلوب عن الكشر أي الكشف، ويضاده الكفر وهو نسيان النعمة وسترها، ودابة شكور مظهرة بسمنها إسداء صاحبها إليها، وقيل أصله من عين شكري أي ممتلئة، فالشكر على هذا هو الامتلاء من ذكر المنعم عليه، والشكر ثلاثة أضرب:

الأول: شكر القلب، وهو تصور النعمة.

والثاني: شكر اللسان، وهو الثناء على المنعم.

والثالث: شكر سائر الجوارح، وهو مكافأة النعمة بقدر استحقاقه" (?).

وقد اختلف أهل العلم في الحمد والشكر هل بينهما فرق؟ على قولين:

القول الأول: أن الحمد والشكر بمعنى واحد، وأنه ليس بينهما فرق، واختار هذا ابن جرير الطبري وغيره.

قال الطبري: " ومعنى (الْحَمْدُ لِلَّهِ): الشكر خالصًا لله جل ثناؤه، دون سائر ما يُعبد من دونه .. "، ثم قال رحمه الله بعد ذلك: " ولا تَمانُع [أي: اختلاف] بين أهل المعرفة بلغات العرب من الحُكْم لقول القائل: "الحمد لله شكرًا " بالصحة، فقد تبيّن - إذْ كان ذلك عند جميعهم صحيحًا - أنّ الحمد لله قد يُنطق به في موضع الشكر، وأن الشكر قد يوضع موضعَ الحمد؛ لأن ذلك لو لم يكن كذلك، لما جاز أن يُقال: " الحمد لله شكرًا " (?).

القول الثاني: أن الحمد والشكر ليسا بمعنى واحد، بل بينهما فروق، ومن تلك الفروق:

أولا: أن الحمد يختص باللسان، بخلاف الشكر، فهو باللسان والقلب والجوارح.

والثاني: أن الحمد يكون في مقابل نعمة، ويكون بدونها، بخلاف الشكر لا يكون، إلا في مقابل نعمة.

قال ابن كثير رحمه الله – في معرض رده على كلام ابن جرير السابق: "وهذا الذي ادعاه ابن جرير فيه نظر؛ لأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخرين: أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية، والشكر لا يكون إلا على المتعدية، ويكون بالجنان واللسان والأركان، كما قال الشاعر (?):

أفادتكم النعماءُ مني ثلاثةً ... يدي ولساني والضميرَ المُحَجَّبا

ولكنهم اختلفوا أيهما أعمّ الحمد، أو الشكر على قولين، والتحقيق أن بينهما عموماً وخصوصاً، فالحمد أعم من الشكر من حيث ما يقعان عليه؛ لأنه يكون على الصفات اللازمة والمتعدية، تقول حمدته لفروسيته، وحمدته لكرمه. وهو أخص لأنه لا يكون إلا بالقول، والشكر أعم من حيث ما يقعان عليه؛ لأنه يكون بالقول والفعل والنية، كما تقدم. وهو أخص؛ لأنه لا يكون إلا على الصفات المتعدية: لا يقال شكرته لفروسيته، وتقول شكرته على كرمه وإحسانه إليّ، هذا حاصل ما حرره بعض المتأخرين والله أعلم " (?).

وعلى ذلك بنى أبو هلال العسكري تفريقه بين الأمرين، قال رحمه الله: " الفرق بين الحمد والشكر: الحمد هو الثناء باللسان على الجميل، سواء تعلق بالفضائل كالعلم، أم بالفواضل كالبر، والشكر: فعل ينبئ عن

طور بواسطة نورين ميديا © 2015