لما أتى خبر الزبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشع

قوله (الجبال الخشع): أي: متذللة لعظم المصيبة بفقد الزبير.

قال الواحدي: " أصل الخشوع في اللغة: السكون، قال الله تعالى {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ} [طه: 108]، أي سكنت، ويقال: جدار خاشع، إذا تداعى واستوى مع الأرض، قال النابغة (?):

وَنُؤْيٌ كَجِذْمِ الحَوْضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ

ومنه الحديث "كانت الكعبة خُشعة على الماء" (¬2)، أي: ساكنة، وهذا أصله في اللغة. ثم استعمل في أشياء تعود إلى هذا الأصل، فقيل: خشعت الأرض، إذا لم تمطر، فلم تهتز بالنبات، قال الله تعالى: {تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ} [فصلت: 39]، وخشع السنام، إذا ذهب شحمه وتطأطأ شرفه. وخشعت الأبصار، إذا سكنت ونظرت في الأرض من غير التفات. وقيل: للمطيع المخبت: خاشع، لسكونه إلى الطاعة" (?).

قال الزمخشري: " فإن قلت: مالها لم تثقل على الخاشعين والخشوع في نفسه مما يثقل؟ قلت: لأنهم يتوقعون ما ادّخر للصابرين على متاعبها فتهون عليهم" (?).

وفي الآية إشارة إلى فضيلة الصلاة، إذ إنها مما يستعان بها على الأمور، وشؤون الحياة؛ لقوله تعالى: (والصلاة)؛ ونحن نعلم علم اليقين أن هذا خبر صدق لا مرية فيه؛ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا حزبه أمر صلى (?)؛ ويؤيد ذلك اشتغاله لله في العريش يوم بدر بالصلاة، ومناشدة ربه بالنصر (?).

والصلاة لا تكون عوناً للانسان، إلا إذا أتى بها على وجه كامل، وهي التي يكون فيها حضور القلب، والقيام بما يجب فيها أما صلاة غالب الناس اليوم فهي صلاة جوارح لا صلاة قلب؛ ولهذا تجد الإنسان من حين أن يكبِّر ينفتح عليه أبواب واسعة عظيمة من الهواجيس التي لا فائدة منها؛ ولذلك من حين أن يسلِّم تنجلي عنه، وتذهب؛ لكن الصلاة الحقيقية التي يشعر الإنسان فيها أنه قائم بين يدي الله، وأنها روضة فيها من كل ثمرات العبادة لا بد أن يَسلوَ بها عن كل همّ؛ لأنه اتصل بالله عزّ وجلّ الذي هو محبوبه، وأحب شيء

طور بواسطة نورين ميديا © 2015