والثالث: أن المراد: أولو الأمر ابتداء بآدم-عليه السلام-ومروراً بمن قام مقامه في ذلك من ولده إلى انقضاء العالم (?).

وقد اختلفت عبارات أهل العلم في حكاية هذا القول:

فقال ابن عطية: "وقال ابن مسعود: إنما معناه خليفة مني في الحكم بين عبادي بالحق وبأوامري، يعني بذلك آدم-عليه السلام-ومن قام مقامه بعده من ذريته" (?).

وقال القرطبي: " وهو خليفة الله في إمضاء أحكامه وأوامره لأنه أول رسول في الأرض" (?).

وقال البيضاوي: "المراد به آدم لأنه كان خليفة الله في أرضه" (?).

وقال الشنقيطي: " لأنه خليفة الله في تنفيذ أوامره" (?).

وتجدر الإشارة بأن لفظ الخليفة يقال لمن استخلفه غيره، ولمن خلف غيره، فآدم-عليه السلام-وبنوه القائمون مقامه في ولاية الأمر ليسوا خلفاء ونواباً عن الله-عز وجل-وإنما الله-عز وجل-استخلفهم في ذلك عمن سبقهم تشريفاً وتكريماً لهم، فولي الأمر يقوم بما أوجبه الله-عز وجل-عليه من سياسة الأرض بالدين، فبالله تعالى يَخْلُفُ وهو-سبحانه-لا يُخْلَف ولا يُنَاب عنه لأنه-سبحانه-مشاهِد قريب بصير سميع مدبر فمحال أن يَخْلِفَه غيره، بل العبد هو الذي يحتاج إلى من يخلفه لغيبته أو موته أو عجزه ولذا جاء في صحيح مسلم: "اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل" (?).

وقد اختلف أهل العلم في جواز إطلاق لفظ خليفة الله على العبد بين مانع ومجيز، وفصل ابن القيم في مفتاح دار السعادة القول فقال بعد إيراده لأدلة الفريقين: "قلت: إن أريد بالإضافة إلى الله أنه خليفة عنه فالصواب قول الطائفة المانعة، وإن أريد بالإضافة أن الله استخلفه عن غيره ممن كان قبله فهذا لا يمتنع فيه الإضافة، وحقيقتها خليفة الله الذي جعله الله خلفاً عن غيره" (?).

والرابع: أن المراد: بنو آدم لأن كل قرن منهم يخلف القرن الذي سلفه (?).

ويدل لهذا القول: قول الله-عز وجل-: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30] وقوله-عز وجل-: {هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ} [فاطر: 39]، وغير ذلك من الآيات، و (خَلِيفَة) على هذا القول يجوز أن تكون بمعنى فاعل أو مفعول، فالقرن من البشر خالف لمن قبله وهو مخلوف بمن بعده (?)، ومال إلى هذا القول ابن جرير (?)، وكل هذه الأقوال محتملة، وأظهرها قول من قال المراد بالخليفة آدم وبنوه، وأفرد لفظ (خَلِيْفَة) استغناء بذكر آدم عن ذكر بنيه سواء أكانت الخلافة في سكنى الأرض أم في عمارتها وسياستها بالدين.

قوله تعالى: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} [البقرة: 30]، "أي قالوا على سبيل التعجب والاستعلام: كيف تستخلف هؤلاء، وفيهم من يفسد في الأرض بالمعاصي" (?).

قال ابن سابط: " يعنون الحرام" (?).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015