وقوله {أُعِدَّتْ} استدلّ به كثير من أئمة السنة على أن النار موجودة الآن، لأن: {أُعِدَّتْ} أي: أرصدت وهيئت وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك (?)، وقد خالفت المعتزلة بجهلهم في هذا ووافقهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي قاضي الأندلس (?).
وقد اتفق الجمهور أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان وهما باقيتان، وأن الله تعالى قد أعدهما وهيأهما ليكونا مستقراً لعباده، الجنة لأهل الطاعة والإيمان، والنار لأهل الكفر والعصيان، ولم يخالف ذلك إلا بعض ممن ضعف إيمانهم وتضاءلت عقولهم عن فهم النصوص القطعية الثابتة الدالة على وجود الجنة والنار وأنهما مخلوقتان وما تمسكوا به من أدلة لا ينظر إليه ولا يؤبه به لذلك أذكر هنا فقط الأدلة التي تمسك بها العلماء المحققون من أهل السنة والجماعة.
يقول ابن القيم: "لم يزل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون وتابعوهم وأهل السنة والحديث قاطبة وفقهاء الإسلام وأهل التصوف والزهد على اعتقاد ذلك وإثباته مستندين في ذلك إلى نصوص الكتاب والسنة وما علم بالضرورة من أخبار الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم فإنهم دعوا الأمم أليها وأخبروا بها، إلى أن نبغت نابغة من القدرية والمعتزلة فأنكرت أن تكون مخلوقة الآن وقالت بل الله ينشئها يوم القيامة وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة الله فيما يفعله (?)، ويقول ابن حزم (?): "ذهبت طائفة من المعتزلة والخوارج إلى أن الجنة والنار لم يخلقها بعد، وذهب جمهور المسلمين إلى أنهما قد خلقتا وما نعلم لمن قال أنهما لم يخلقا" (?).
وتجدر الإشارة بأنه لم يقع خلاف بين أهل السنة والجماعة والمعتزلة على حقية الجنة والنار وثبوتهما، لأنَّها من المسائل العقدية التي لا تحتمل الخلاف، لورودها بأدلة قطعية الثبوت قطعية الدلالة، بل الخلاف وقع في أنهما موجودتان أم ستوجدان في يوم الجزاء، فقد ذهب أهل السنة والجماعة إلى القول بثبوت خلق الجنة والنار ووجودهما، وذهب المعتزلة إلى القول بنفي خلق الجنة والنار وعدم وجودهما، بل ستوجدان يوم الجزاء، مع العلم بأنه لم يذهب المعتزلة إلى ذاك القول بسبب اتباع الهوى، بل أرادوا أنْ يدفعوا تعارضاً ظهر لهم بين النصوص الشرعية، فخذلهم فهمهم وعقلهم، وما أغنت عنهم فلسفتهم العوراء المتهافتة من الحق شيئاً.
والصحيح في هذه المسألة هو قول أهل السنة والجماعة، لأن ما ذهب إليه المعتزلة، فيه خرق لإجماع الأمة (?).