والثاني: أن الآية تدل على وجوب الأمر بالمعروف. لأن قوله: {عليكم أنفسكم} أمر بإصلاحها وأداء ما عليها، وقد ثبت وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فصار من جملة ما على الإنسان في نفسه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وقد دل على ما قلنا قوله: {إذا اهتديتم} وإنما يكون الإنسان مهتديا إذا امتثل أمر الشرع، ومما أمر الشرع به الأمر بالمعروف.
وقد روي عن الحسن: "أن هذه الآية قرئت على ابن مسعود: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضَلّ إذا اهتديتم}، فقال ابن مسعود: ليس هذا بزمانها، قولوها ما قُبلت منكم، فإذا رُدّت عليكم فعليكم أنفسكم" (?).
عن قيس بن أبي حازم قال: "سمعت أبا بكر يقول وهو يخطب الناس: يا أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية ولا تدرون ما هي؟ : {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم}، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا منكرًا فلم يغيِّروه، عمّهم الله بعقاب" (?).
والثالث: أن الآية قد حملها قوم على أهل الكتاب إذا أدوا الجزية فحينئذ لا يلزمون بغيرها. وهذا قول ابن عباس من طريق الكلبي عن أبي صالح" (?).
والرابع: أنه لما عابهم في تقليد آبائهم بالآية المتقدمة أعلمهم بهذه الآية أن المكلف إنما يلزمه حكم نفسه وأنه لا يضره ضلال من ضل إذا كان مهتديا حتى يعلموا أنه لا يلزمهم من ضلال آبائهم شيء من الذم والعقاب. أخرج الطبريعن ابن زيد نحو هذا المعنى (?).