والراجح-والله أعلم- إن المعنيين بقوله: {ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب}، الذين بحروا البحائر، وسيَّبوا السوائب، ووصلوا الوصائل، وحموا الحوامي، مثل عمرو بن لحي وأشكاله ممن سنّ لأهل الشرك السنن الرديئة، وغيَّر دين الله دين الحق، وأضافوا إلى الله تعالى ذكره: أنه هو الذي حرّم ما حرّموا، وأحلَّ ما أحلوا، افتراءً على الله الكذب وهم يعلمون، واختلاقًا عليه الإفك وهم يفهمون، فكذبهم الله تعالى ذكره في قيلهم ذلك، وإضافتهم إليه ما أضافوا من تحليل ما أحلوا وتحريم ما حرموا.
وأما المعنيون بقوله: {وأكثرهم لا يعقلون}، فهم أتباع من سنّ لهم هذه السنن من جهلة المشركين، فهم لا شك أنهم أكثر من الذين لهم سنوا ذلك لهم، فوصفهم الله تعالى بأنهم لا يعقلون، لأنهم لم يكونوا يعقلون أن الذين سنوا لهم تلك السنن وأخبروهم أنها من عند الله، كذبةٌ في إخبارهم، أفَكَةٌ، بل ظنوا أنهم فيما يقولون محقُّون، وفي إخبارهم صادقون (?).
الفوائد:
1 - أن الاتباع الهوى في التشريع حقيقته افتراء على الله، قال سبحانه: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام}، فهم شرعوا شرعة، وابتدعوا في ملة إبراهيم عليه السلام هذه البدعة، توهما أن ذلك يقربهم من الله كما يقرب من الله ما جاء به إبراهيم عليه السلام من الحق، فزلوا وافتروا على الله الكذب إذ زعموا أن هذا من ذلك وتاهوا في المشروع (?).
2 - دل الآية على أن العرب كانوا على ملة إبراهيم وإسماعيل، ثم حدث بعد ذلك التغيير وعبادة الأصنام بسبب عمرو بن لحي وغيره.
فعمرو هذا غيّر دين العرب بدعوتهم لعبادة الأصنام، وباستحداث بدع في دين الله تعالى، أحلّ فيها وحرّم بهواه.