والراجح-والله أعلم- هو القول الثاني، لأن الله تعالى "لم يخصص به المتعمِّد قتلَه في حال نسيانه إحرامَه، ولا المخطئَ في قتله في حال ذكره إحرامَه، بل عمَّ في التنزيل بإيجاب الجزاء، كلَّ قاتل صيد في حال إحرامه متعمدًا، وغير جائز إحالة ظاهر التنزيل إلى باطن من التأويل لا دلالة عليه من نصّ كتاب، ولا خبر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا إجماع من الأمة، ولا دلالةَ من بعض هذه الوجوه.
فإذْ كان ذلك كذلك، فسواءٌ كان قاتل الصيد من المحرمين عامدًا قتلَه ذاكرًا لإحرامه، أو عامدًا قتله ناسيًا لإحرامه، أو قاصدًا غيره فقتله ذاكرًا لإحرامه في أن على جميعهم من الجزاء ما قال ربنا تعالى ذكره، وهو: مثلُ ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل من المسلمين، أو كفارة طعامُ مساكين، أو عدل ذلك صيامًا" (?).
واختلفوا في الخاطىء في قتله الناسي لإِحرامه على قولين (?):
أحدهما: لا جزاء عليه، قاله داود.
الثاني: عليه الجزاء، قاله مالك، والشافعي، وأبو حنيفة.
قوله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95]، أي: " فجزاء ذلك أن يذبح مثل ذلك الصيد من بهيمة الأنعام: الإبل أو البقر أو الغنم" (?).
قال الماوردي: " يريد أن مثل الصيد من النعم" (?).
قال ابن الجوزي: " المعنى: فعليه جزاء من النعم مماثل للمقتول" (?).
قال ابن قتيبة: "النعم: الإبل، وقد يكون البقر والغنم، والأغلب عليها الإبل" (?).
وقال الزجاج: النعم في اللغة هي الإبل والبقر والغنم، وإن انفردت الإبل منها قيل لها نعم وإن انفردت الغنم والبقر لم تسم نعما، فكان عليه بحذاء حمار الوحش وبقرة الوحش بدنة، وعليه بحذاء الظباء من الغنم شاة" (?).