قال سعيد بن جبير: " فهذا تحريمهن كما قال الله: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَان} (?)، يعني: عبادة الأصنام فحرم الخمر كما حرم عبادة الأصنام" (?).
قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90]، أي: "لعلكم تفوزون بالجنة" (?).
قال سعيد بن جبير: "يعني: لكي تفلحون" (?).
قال محمد بن كعب القرظي: " يقول: لعلكم غدا إذا لقيتموني" (?).
قال محمد بن إسحاق: " أي: لعلكم أن تنجوا مما حذركم الله به من عذابه وتدركون ما وعدكم فيه من ثوابه" (?).
قال ابن كثير: " وهذا ترغيب " (?).
الفوائد:
1 - بَدْؤُه تعالى الكلامَ بهذا الوَصْفِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُو}، ايدلُّ على أنَّ العملَ به تَصديقًا أو امتثالًا من مقتضياتِ الإيمانِ، كذلك أيضًا: يدلُّ على أنَّ مخالفتَه، أو الشكَّ فيه، أو تكذيبَه منافٍ للإيمانِ؛ إمَّا لأصلِه أو لكمالِه، وثالثًا: أنَّ في هذا إغراءً للمخاطَب، كأنَّه يقول: إنْ كنتَ مؤمنًا فاستمعْ وامتثِلْ.
2 - يَكفي أنْ يعلمَ المؤمنُ أنَّ شيئًا ما مِن عملِ الشَّيطانِ؛ لينْفِرَ منه حسُّه، وتَشمئزَّ منه نفْسُه، ويَبعُدَ عنه من خوفٍ ويتَّقيَه! فالشيطانُ عدوُّ الإنسانِ القديمُ؛ لذا قال تعالى: {رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ}، فتَعاطي هذه المحرَّماتِ بتسويلٍ من الشيطان، فكأنَّ الذي عمِلَها وتعاطاها هو الشَّيطانُ، وفي ذلِك تنفيرٌ لمتعاطيها بأنَّه مَن عَمِلَ عَمَلَ الشيطانِ، فهو شيطانٌ، وذلك ممَّا تأباه النُّفوسُ، ولم يكتفِ بذلك ذمًّا لهذا العَمَل، بل وفي هذه اللَّحظة يَصدُر النَّهيُ مصحوبًا كذلك بالإطماعِ في الفَلاح، وهي لمسةٌ أخرى من لمساتِ الإيحاءِ النفسيِّ العميقِ، فقال: {فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
3 - قَوْلُه تعالى: {رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ}، فيه بيانُ أنَّه لا مَعصيةَ أعظمُ وأقبحُ من معصيةٍ تُدنِّس صاحبَها، وتجعلُه من أهل الخُبثِ، وتُوقِعُه في أعمالِ الشَّيطانِ وشِباكه، فينقادُ له كما تنقادُ البهيمةُ الذليلةُ لراعيها، وتَحولُ بين العبدِ وبين فلاحِه، وتُوقِعُ العداوةَ والبغضاءَ بين المؤمنين، وتصدُّ عن ذِكر اللهِ وعن الصَّلاة؟ فهل فوقَ هذه المفاسدِ شيءٌ أكبرُ منها؟ !
4 - رحمةُ اللهِ تبارَك وتعالَى بعِبادِه الَّذين خَلَقَهم لعِبادتِه؛ حيثُ حذَّرهم مِن كلِّ ما فيه ضَررٌ؛ لِقَوْلِه: {فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.