قال الجصاص: " أخبر عن الكفار أنهم حرموا أشياء مما رزقهم الله افتراء عليه، وكان القصد بذلك تحذير المؤمنين أن يحرموا شيئا مما أحل الله، فيشابهوا بذلك الكفار في صنيعهم وكان ذكر ذلك على سبيل الإيجاز" (?).

قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} [المائدة: 88]، أي: " واتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه; فإن إيمانكم بالله يوجب عليكم تقواه ومراقبته" (?).

قال محمد بن إسحاق: {واتقوا الله}، أي: أطيعوا الله" (?).

قال ابن عثيمين: "أي: فللإيمانكم يلزمكم التقوى" (?).

قال السمرقندي: " يعني: إن كنتم مصدقين به، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه" (?).

قال مقاتل: " ولا تحرموا ما أحل الله لكم، {الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ}، يقول: الذي أنتم به مصدقون" (?).

قال الزمخشري: " {واتقوا الله}، تأكيد للتوصية بما أمر به، وزاده تأكيدا بقوله: {الذي أنتم به مؤمنون}، لأن الإيمان به يوجب التقوى في الانتهاء إلى ما أمر وعما نهى عنه" (?).

قال الصابوني: " هذا استدعاء إِلى التقوى بألطف الوجوه كأنه يقول: لا تضيّعوا إِيمانكم بالتقصير في طاعة الله عَزَّ وَجَلَّ فتكون عليكم الحسرة العظمى فإِن الإِيمان بالله تعالى يوجب المبالغة في تقوى الله" (?).

الفوائد:

1 - في قولِه تعالى: {وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا}، أمْرُ الإنسانِ بالأكْلِ ممَّا رزَقَ اللهُ، وضدُّه عدمُ الأكْل، وعدمُ الأكلِ ممَّا رزَق اللهُ ثلاثةُ أقسام (?):

الأوَّل: أن يَترُك الأكلَ مع خوفِ الهلاك إذا لم يأكُلْ، فهنا تركُ الأكْلِ حرامٌ؛ لأنَّه يجبُ على الإنسانِ أن يُنقِذَ نفْسَه.

الثاني: إذا كان ليس به ضرورةٌ للأكْلِ لكن يحتاجُ إلى الأكْلِ لتقويةِ البَدنِ، فهنا الأكلُ مُستحَبٌّ؛ لأنَّه لو ترَكَه لم يَهلِك، لكنَّه في حاجةٍ، نقول له: لا تمنعْ نفْسَك.

الثالث: أن يَترُكَ الأكلَ تنزُّهًا، فهذا يُنهَى عنه، ويُقال: كُلْ ممَّا أباحَ اللهُ لك

2 - أن الإيمان بالله عزّ وجل مستلزم لتقواه، لقوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} [المائدة: 88]، ومن قال أنني مؤمن ولم يتق، فهو ناقص الإيمان.

القرآن

{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89)} [المائدة: 89]

التفسير:

لا يعاقبكم الله -أيها المسلمون- فيما لا تقصدون عَقْدَه من الأيمان، مثل قول بعضكم: لا والله، وبلى والله، ولكن يعاقبكم فيما قصدتم عقده بقلوبكم، فإذا لم تَفُوا باليمين فإثم ذلك يمحوه الله بما

طور بواسطة نورين ميديا © 2015