ويدل على نحو دلالة الآية التي ذكرنا في أكل إباحة الطيبات قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32] (?).
قال تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32)} [عبس: 24 - 32].
فقال عقيب ذكره لما خلق من الفواكه: {مَتَاعًا لَكُمْ}
2 - النهي عن العدوان، يعني الاعتداء في حق الله وفي حق العباد، والإشارة غلى أن تحريم ما احل الله من باب العدوان، لقوله: {ولا تحرموا ... ولا تعتدوا}.
وقال أهل العلم أن تحريم الحلال أشد من تحليل الحرام، لأن تحريم الحلال تضييق على عباد الله بدون علم، وتحليل الحرام إن قدر أنه حرام بناءا على الأصل، لأن الأصل في الأشياء الحل، إلا الشرائع فالاصل فيها الحظر (?).
3 - منّة الله تعالى على عباده بما احل لهم، لقوله: {طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ}، ولو شاء الله عزّ وجل لحرم علينا طيبات أحلت لنا، كما حرم ذلك على بني إسرائيل، إذ قال: " {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} [النساء: 160]، أي: بسبب ظلمهم وعصيانهم حرم الله عليهم الطيبات.
قال الشيخ ابن عثيمين: "وتحريم الطيبات الشرعي بسبب الظلم مثله التحريم القدري بسبب الظلم، فإن الإنسان قد يحرم الطيبات تحريما قدريا لمعصيته، مثل أن يكون رجل إذا أكل اللحم، تأثر ومرض، هذا يجب عليه أن يجتنب أكل اللحم وهذا تحريم قدري، إنسان مثلا مريض بمرض السكر، إذا أكل الحلو ازداد عليه السكر وآلمه، فيجب عليه أن يجتنب السكر، هذا تحريم قدري، فلا تظن أن التحريم بسبب المعاصي هو التحريم الشرعي فقط، ومن التحريم القدري أن يمنع الله نبات الأرض بسبب المعاصي كما قال الله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41] (?).
4 - إثبات المحبة لله عزّ وجل، لقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}، لأن نفي محبة المعتدين يدل على ثبوت أصل المحبة، ولو كان لايحب مطلقا لم يكن لنفي محبته للمعتدين فائدة، وفيه رد على منكري محبة الله عزّ وجل.
ويدر القول بان الإنسان اذا شعر بان الله يحبه يفرح ويزداد في حبه للطاعات وكراهة المعاصي، لأنه يعلم أن ربه عزّ وجل يحبه من فوق السماوات، وأما من تأول المحبة بالثواب، فنقول: إن الله يثيب أي واحد من العباد ممن يستحق الثواب، فلا تحرموا لذة محبة الله ولا تنكروها.
القرآن
{وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88)} [المائدة: 88]
التفسير:
وتمتعوا -أيها المؤمنون- بالحلال الطيب مما أعطاكم الله ومنحكم إياه، واتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه; فإن إيمانكم بالله يوجب عليكم تقواه ومراقبته.
قوله تعالى: {وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا} [المائدة: 88]، أي: " وتمتعوا -أيها المؤمنون- بالحلال الطيب مما أعطاكم الله ومنحكم إياه" (?).