أن تأتي، قال: فحبست ضيفي من أجلي؛ فطعامك عليّ حرام إن ذقته، فقالت: هي وهو عليّ حرام إن ذقته إن لم تذقه، وقال الضيف: هو عليّ حرام إن ذقته إن لم تذوقوه، فلما رأى ذلك، قال ابن رواحة: قربي طعامك، كلوا بسم الله، وغدا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "قد أحسنت"؛ فنزلت هذه الآية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}، وقرأ حتى بلغ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} وإذا قلت: والله لا أذوقه؛ فذلك العقد" (?). [ضعيف جداً]
والظاهر - والله أعلم - أن القول الأول هو سبب نزول الآية وإن كان الصحيح فيه الإرسال، لأمور ثلاثة:
أحدها: التصريح بالسببية.
الثاني: مطابقة سياق الحديث للفظ الآية، إذ أن قوله: "فحرمت عليَّ اللحم"، يوافق قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ}.
الثالث: الاحتجاج به عند جمهور المفسرين.
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة: 87]، أي: " يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه" (?).
قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، إلا كان على شريفها وأميرها" (?).
قال سعيد بن جبير: "قوله: {آمنوا بالله}، يعني: بتوحيد الله" (?).
قال ابن مسعود رضي الله عنه: "إذا سمعت الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (?).
قوله تعالى: {لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 87]، أي: " لا تحرِّموا طيبات أحلَّها الله لكم من المطاعم والمشارب ونكاح النساء، فتضيقوا ما وسَّع الله عليكم" (?).
قال السعدي: أي: " من المطاعم والمشارب، فإنها نعم أنعم الله بها عليكم، فاحمدوه إذ أحلها لكم، واشكروه ولا تردوا نعمته بكفرها أو عدم قبولها، أو اعتقاد تحريمها، فتجمعون بذلك بين القول على الله الكذب، وكفر النعمة، واعتقاد الحلال الطيب حراما خبيثا" (?).
قال البيضاوي": {طيبات ما أحل الله لكم}، أي: ما طاب ولذ منه كأنه لما تضمن ما قبله مدح النصارى على ترهبهم والحث على كسر النفس ورفض الشهوات عقبه النهي عن الإفراط في ذلك" (?).
قال أبو السعود: " أي: لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم أو لا تقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهدا منكم وتقشفا" (?).
قال الزمخشري: " {طيبات ما أحل الله لكم}، ما طاب ولذ من الحلال. ومعنى لا تحرموا لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم. أو لا تقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهدا منكم وتقشفا (?) " (?).