قال ابن عطية: " والنصارى أهل الكتاب يقضي لهم شرعنا بأن أول أمرهم صحيح لولا أنهم ضلوا، فهم يعتقدون أنهم لم يضلوا وأن هذه الآية لم تنسخ شرعهم، ويعظمون من أهل الإسلام من استشعروا منه صحة دين، ويستهينون من فهموا منه الفسق، فهم إذا حاربوا فإنما حربهم أنفة وكسب لا أن شرعهم يأخذهم بذلك، وإذا سالموا فسلمهم صاف، ويعين على هذا أنهم أمة شريفة الخلق، لهم الوفاء والخلال الأربع التي ذكر عمرو بن العاصي في صحيح مسلم وتأمل أن النبي صلى الله عليه وسلم سر حين غلبت الروم فارس، وذلك لكونهم أهل كتاب، ولم يرد عليه السلام أن يستمر ظهور الروم وإنما سر بغلبة أهل كتاب لأهل عبادة النار، وانضاف إلى ذلك أن غلب العدو الأصغر وانكسرت شوكة العدو الأكبر المخوف على الإسلام، واليهود لعنهم الله ليسوا على شيء من هذه الخلق بل شأنهم الخبث واللي بالألسنة، وفي خلال إحسانك إلى اليهودي يبغيك هو الغوائل إلا الشاذ القليل منهم ممن عسى أن تخصص بأدب وأمور غير ما علم أولا. ولم يصف الله تعالى النصارى بأنهم أهل ود وإنما وصفهم بأنهم أقرب من اليهود والمشركين، فهو قرب مودة بالنسبة إلى متباعدين، وفي قوله تعالى: الذين قالوا إنا نصارى إشارة إلى أن المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم من النصارى ليسوا على حقيقة النصرانية بل كونهم نصارى قول منهم وزعم" (?).
قال مجاهد: " هم الوفد الذين جاءوا مع جعفر وأصحابه من أرض الحبشة" (?). وروي عن عطاء نحو ذلك (?).
قال عطاء: " ما ذكر الله به النصارى من خير فإنما يراد به النجاشي وأصحابه" (?).
قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا} [المائدة: 82]، أي: " ذلك بأن منهم علماء بدينهم متزهدين وعبَّادًا في الصوامع متنسكين" (?).
قال السمرقندي: "يعني: المتعبدين، وأصحاب الصوامع، ويقال: قسيسين علماؤهم، ورهبانا يعني: خائفين من الله تعالى" (?).
قال ابن كثير: " أي: يوجد فيهم القسيسون - وهم خطباؤهم وعلماؤهم، واحدهم: قسيس وقَس أيضًا، وقد يجمع على قسوس، والرهبان: جمع راهب، وهو: العابد. مشتق من الرهبة، وهي: الخوف كراكب وركبان، وفارس وفرسان" (?).
قال ابن عطية: " معناه ذلك بأن منهم أهل خشية وانقطاع إلى الله وعبادة وإن لم يكونوا على هذي، فهم يميلون إلى أهل العبادة والخشية وليس عند اليهود ولا كان قط أهل ديارات وصوامع وانقطاع عن الدنيا، بل هم معظمون لها متطاولون في البنيان وأمور الدنيا حتى كأنهم لا يؤمنون بالآخرة، فلذلك لا يرى فيهم زاهد" (?).