رابعا: -أن صاحب الهوى ـ إذا كان عنده شيء من العلم الشرعي ـ مفزع كل مفترٍ، ومأوى كل مبطلٍ، ومستشار كل طاغٍ، وفتنة كل جاهل، بما يسوغه لهم من الآراء الباطلة، ويسوقه لهم من الأدلة الزائفة، ويلبس عليهم به من الشبه الصارفة.

قال الحسن البصري: "شرار عباد الله الذين يتبعون شرار المسائل؛ ليعموا بها عباد الله" (?).

خامسا: - أن صاحب الهوى تسهل استمالته من قبل أعداء الأمة، والمتربصين بها الدوائر، فسرعان ما يرتد خنجراً في خاصرة الأمة، وسوطاً يلهبُ ظهرَها، وعيناً يكشف سرها، ويبدي سوأتها، ويهتك سترها، داعيةً لتثبيط العزائم، إماماً لكل متهتك وخائن.

سادسا: - أن صاحب الهوى مفرق لجماعة المسلمين، مبتغٍ لهم العنت والمشقة، الطعن في الصالحين ديدنه، والهمز واللمز دأبه، والحسد طبعه.

تراه معتزلاً كل من يخالف هواه، وإن كان أهدى سبيلا، مقرباً لكل من هو على شاكلته وإن كان للشيطان قبيلا.

قال سعيد بن عنبسة: "ما ابتدع رجل بدعة إلا غلَّ صدرُه على المسلمين، واختلجتْ منه الأمانة" (?)، وذلك لأن "جميع المعاصي يجتمع فيها هذان الوصفان، وهما العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، فإن التحابّ والتآلف إنما هو بالإيمان، والعمل الصالح كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً} [مريم: 96]، أي: يلقي بينهم المحبة، فيحب بعضهم بعضا، فيتراحمون، ويتعاطفون، بما جعل الله لبعضهم في قلوب بعض من المحبة".

وكان ابن طاووس جالسا فجاء رجل من المعتزلة، قال: "فجعل يتكلم، قال: فأدخل ابن طاووس إصبعيه في أذنيه قال: وقال لابنه: أي بني، أدخل إصبعيك في أذنيك واشدد ولا تسمع من كلامه شيئاً. قال معمر: يعني أن القلب ضعيف" (?).

وعن ابن عمر- رضي الله عنهما -: أنه جاءه رجل فقال: إن فلانا يقرأ عليك السلام، قال: بلغني أنه قد أحدث، فإن كان أحدث فلا تقرأ عليه السلام" (?).

وقال الشوكاني في تفسيره لقول الله تعالى: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ... }، الآية [الأنعام: 68]: "وفي هذه الآية موعظة عظيمة لمن يتمسح بمجالسة المبتدعة الذين يحرفون كلام الله، ويتلاعبون بكتابه وسنة رسوله، ويردون ذلك إلى أهوائهم المضلة، وبدعهم الفاسدة. فإنه إذا لم يُنْكِر عليهم ويُغَيِّر ما هم فيه، فَأَقَلُّ الأحوال أن يترك مجالستهم، وذلك يسير غير عسير. وقد يجعلون حضوره معهم مع تنزهه عما يتلبسون به شبهةً يشبهون بها على العامة، فيكون حضوره مفسدة زائدة على مجرد سماع المنكر" (?).

وقال البغوي - رحمه الله -: "فعلى المرء المسلم إذا رأى رجلا يتعاطى شيئا من الأهواء والبدع معتقدا، أو يتهاون بشيء من السنن أن يهجره ويتبرأ منه، ويتركه حيا وميتا" (?).

وقال ـ الإمام أحمد ـ في رسالته إلى مسدد: "ولا تشاور صاحب بدعة في دينك، ولا ترافقه في سفرك" (?).

وقال إبراهيم النَخعي: "لا تجالسوا أهل الأهواء، فإنَّ مجالستهم تذهب بنور الإيمان، وتسلب محاسن الوجوه، وتورث البغيضة في قلوب المؤمنين" (?).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015