وقد روي أن لقمان عليه السلام قال لابنه: "يا بني أول ما أحذرك من نفسك فان لكل نفس هوى وشهوه فان أعطيتها شهوتها تمادت وطلبت سواها فان الشهوة كامنة في القلب كمون النار في الحجر إن قدح أورى وإن ترك توارى" (?)، قال الشاعر (?):
إذا ما أجبت النفس في كل دعوة ... دعتك إلى الأمر القبيح المحرم
فلا تغتر أخي بترفع بعض مطيعي الهوى في هذه الحياة فان الهوى يردي اللبيب، وقد نسب إلى الفضل بن العباس انه قال (?):
لقد ترفع الأيام من كان جاهلاً ... ويردي الهوى ذا الرأي وهو لبيب
وقد تحمد الناس الفتى وهو مخطئ ... ويعذل في الإحسان وهو مصيب
ومن مفاسد إتباع الهوى (?):
أولا: - إن اتباع الهوى ـ وهو "ما تميل إليه النفس مما لم يبحه الشرع"، خلاف مقصود الشرع؛ لأن "المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلَّف عن داعية هواه؛ حتى يكون عبداً لله اختياراً، كما هو عبد لله اضطراراً" (?).
ثانيا: - أن صاحب الهوى لا حكَمَةَ له ولا زمام، ولا قائد له ولا إمام، إلهه هواه، حيثما تولت مراكبه تولى، وأينما سارت ركائبه سار، فآراؤه العلمية، وفتاواه الفقهية، ومواقفه العملية، تبع لهواه، فدخل تحت قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23}.
قال عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام: "ما ابتدع رجل بدعة إلا أتى غداً بما ينكره اليوم" (?).
وقال عبد الله بن عون البصري: "إذا غلب الهوى على القلب، استحسن الرجل ما كان يستقبحه" (?).
ثالثا: - أن صاحب الهوى ليس له معايير ضابطة، ولا مقاييس ثابتة، يردُّ الدليل إذا خالف هواه لأدنى احتمال، ويستدل به على ما فيه من إشكال أو إجمال، وإذا لم يستطع ردَّ الدليل لقوته، حمله على غير وجهه، وصرفه عن ظاهره إلى احتمال مرجوح بغير دليل.
قال شيخ الإسلام: "والمفترقة من أهل الضلال تجعل لها دينًا وأصول دين قد ابتدعوه برأيهم، ثم يعرضون على ذلك القرآن والحديث، فإن وافقه احتجوا به اعتضادًا لا اعتمادًا، وإن خالفه فتارة يحرفون الكلم عن مواضعه ويتأولونه على غير تأويله، وهذا فعل أئمتهم، وتارة يعرضون عنه، ويقولون: نفوّض معناه إلى الله، وهذا فعل عامتهم" (?).