أَرْضِعِيهِ} [القصص: 7]، قالوا وهذا معنى النبوة، والذي عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبيًا إلا من الرجال، قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} [يوسف: 109]، وقد حكى الشيخ أبو الحسن الأشعري، رحمه الله، الإجماع على ذلك" (?).
قال السعدي: " {وأمه} مريم {صديقة} أي: هذا أيضا غايتها، أن كانت من الصديقين الذين هم أعلى الخلق رتبة بعد الأنبياء. والصديقية، هي العلم النافع المثمر لليقين، والعمل الصالح. وهذا دليل على أن مريم لم تكن نبية، بل أعلى أحوالها الصديقية، وكفى بذلك فضلا وشرفا. وكذلك سائر النساء لم يكن منهن نبية، لأن الله تعالى جعل النبوة في أكمل الصنفين، في الرجال كما قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم} فإذا كان عيسى عليه السلام من جنس الأنبياء والرسل من قبله، وأمه صديقة، فلأي شيء اتخذهما النصارى إلهين مع الله؟ " (?).
قال القرطبي: " وقد استدل من قال: إن مريم عليها السلام لم تكن نبية بقوله تعالى: {وأمه صديقة}. قلت: وفيه نظر، فإنه يجوز أن تكون صديقة مع كونها نبية كإدريس عليه السلام، وقد مضى في «آل عمران» (?) ما يدل على هذا. والله أعلم. وإنما قيل لها صديقة لكثرة تصديقها بآيات ربها وتصديقها ولدها فيما أخبرها به، عن الحسن وغيره" (?).
قوله تعالى: {كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ} [المائدة: 75]، أي: " وهما كغيرهما من البشر يحتاجان إلى الطعام، ولا يكون إلهًا مَن يحتاج الى الطعام ليعيش" (?).
قال مقاتل: " فلو كانا إلهين ما أكلا الطعام" (?).
قال الزجاج: " أي إنما يعيشان بالغذاء كما يعيش سائر الآدميين، فكيف يكون إلها من لا يقيمه إلا أكل الطعام" (?).
قال ابن كثير: " أي: يحتاجان إلى التغذية به، وإلى خروجه منهما، فهما عبدان كسائر الناس وليسا بإلهين كما زعمت فرق النصارى الجهلة، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة" (?).
قال ابن قتيبة: " قوله: {كانا يأكلان الطعام} هذا من الاختصار والكناية، وإنما نبه بأكل الطعام على عاقبته وعلى ما يصير إليه وهو الحدث؛ لأن من أكل الطعام فلا بد له من أن يحدث" (?).
قال الطبري: أي: " أنهما كانا أهل حاجةٍ إلى ما يَغْذُوهما وتقوم به أبدانهما من المطاعم والمشارب كسائر البشر من بني آدم، فإنّ من كان كذلك، فغيرُ كائنٍ إلهًا، لأن المحتاج إلى الغذاء قِوَامه بغيره. وفي قوامه بغيره وحاجته إلى ما يقيمه، دليلٌ واضحٌ على عجزه. والعاجز لا يكون إلا مربوبًا لا ربًّا" (?).
قال الزمخشري: " لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم والنفض لم يكن إلا جسما مركبا من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط وأمزجة مع شهوة وقرم (?) وغير ذلك مما يدل على أنه مصنوع مؤلف مدبر كغيره من الأجسام" (?).