قال البغوي: " يعني: المرقوسية (?)، وفيه إضمار معناه: ثالث ثلاثة آلهة، لأنهم يقولون: الإلهية مشتركة بين الله تعالى ومريم وعيسى، وكل واحد من هؤلاء إله فهم ثلاثة آلهة، يبين هذا قوله عز وجل للمسيح: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} [المائدة: 116]، ومن قال: إن الله ثالث ثلاثة ولم يرد به الإلهية لا يكفر، فإن الله يقول: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} [المجادلة: 7]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (?) " (?).
قال أبن عطية: " هذه الآية إخبار مؤكد كالذي قبله، وهو عن هذه الفرقة الناطقة بالتثليث وهي فيما يقال الملكية وهم فرق منهم النسطورية وغيرهم، ولا معنى لذكر أقوالهم في كتاب تفسير، إنما الحق أنهم على اختلاف أحوالهم كفار من حيث جعلوا في الألوهية عددا ومن حيث جعلوا لعيسى عليه السلام حكما إلهيا" (?).
قال السعدي: " وهذا من أقوال النصارى المنصورة عندهم، زعموا أن الله ثالث ثلاثة: الله، وعيسى، ومريم، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.
وهذا أكبر دليل على قلة عقول النصارى، كيف قبلوا هذه المقالة الشنعاء، والعقيدة القبيحة؟ ! كيف اشتبه عليهم الخالق بالمخلوقين؟ ! كيف خفي عليهم رب العالمين؟ ! " (?).
عن أحمد بن أبي الحواري، قال أبو سليمان الداراني: "يا أحمد والله ما حرك ألسنتهم بقولهم ثالث ثلاثة إلا هو ولو شاء لأخذ من ألسنتهم" (?).
قال الرازي: " في تفسير قول النصارى ثالث ثلاثة طريقان:
الأول: قول بعض المفسرين، وهو أنهم أرادوا بذلك أن الله ومريم وعيسى آلهة ثلاثة، والذي يؤكد ذلك قوله تعالى للمسيح أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله [المائدة: 116] فقوله ثالث ثلاثة أي أحد ثلاثة آلهة، أو واحد من ثلاثة آلهة، والدليل على أن المراد ذلك قوله تعالى في الرد عليهم وما من إله إلا إله واحد وعلى هذا التقدير ففي الآية إضمار، إلا أنه حذف ذكر الآلهة لأن ذلك معلوم من مذاهبهم، قال الواحدي ولا يكفر من يقول: إن الله ثالث ثلاثة إذا لم يرد به ثالث ثلاثة آلهة، فإنه ما من شيئين إلا والله ثالثهما بالعلم، لقوله تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم [المجادلة: 7].
والطريق الثاني: أن المتكلمين حكوا عن النصارى أنهم يقولون: جوهر واحد، ثلاثة أقانيم أب، وابن، وروح القدس، وهذه الثلاثة إله واحد، كما أن الشمس اسم يتناول القرص والشعاع والحرارة، وعنوا بالأب الذات، وبالابن الكلمة، وبالروح الحياة، وأثبتوا الذات والكلمة والحياة، وقالوا: إن الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء بالخمر، واختلاط الماء باللبن، وزعموا أن الأب إله، والابن إله، والروح إله، والكل إله واحد.
واعلم أن هذا معلوم البطلان ببديهة العقل، فإن الثلاثة لا تكون واحدا، والواحد، لا يكون ثلاثة، ولا يرى في الدنيا مقالة أشد فسادا وأظهر بطلانا من مقالة النصارى" (?).