قال الجصاص: " أخبر أنه إن ترك تبليغ شيء منه فهو كمن لم يبلغ شيئا, بقوله تعالى: {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} فلا يستحق منزلة الأنبياء القائمين بأداء الرسالة وتبليغ الأحكام" (?).

وفي وقوع قوله: {فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67]، جزاء للشرط، وجهان (?):

أحدهما: أنه إذا لم يمتثل أمر الله في تبليغ الرسالات وكتمها كلها كأنه لم يبعث رسولا كان أمرا شنيعا لا خفاء بشناعته، فقيل: إن لم تبلغ منها أدنى شيء وإن كان كلمة واحدة، فأنت كمن ركب الأمر الشنيع الذي هو كتمان كلها، كما عظم قتل النفس بقوله: {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ} [المائدة: 32].

والثاني: أن يراد: فإن لم تفعل فلك ما يوجبه كتمان الوحى كله من العقاب فوضع السبب موضع المسبب، ويعضده قوله عليه الصلاة والسلام «فأوحى الله إلى إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك» (?).

قال ابن عطية: " ثم توعده تعالى بقوله: {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته}، أي: إنك إن تركت شيئا فكأنما قد تركت الكل، وصار ما بلغت غير معتد به، فقوله تعالى: {وإن لم تفعل} معناه: وإن لم تستوف، ونحو هذا قول الشاعر (?):

سُئلتَ فلمْ تبخل ولم تعطِ طائلاً ... فسيَّانِ لا ذمٌّ عليكَ ولا حمدُ

أي: ولم تعط ما يعد نائلا وإلا فيتكاذب البيت" (?).

وقرأ أهل المدينة: «رسالاته» (?).

قال الزمخشري: المعنى: " فلم تبلغ إذا ما كلفت من أداء الرسالات، ولم تؤد منها شيئا قط، وذلك أن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض، وإن لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعا، كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها، لإدلاء كل منها بما يدليه غيرها. وكونها كذلك في حكم شيء واحد. والشيء الواحد لا يكون مبلغا غير مبلغ، مؤمنا به غير مؤمن به" (?).

قال النحاس: "والقراءتان حسنتان إلا أن الجمع أبين لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الوحي شيئا شيئا ثم يبينه" (?).

قال الإمام الشوكاني: " وفيه نظر، فإن نفي التبليغ عن الرسالة الواحدة أبلغ من نفيه عن الرسالات، كما ذكره علماء البيان على خلاف في ذلك، وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته ما نزل إليهم، وقال لهم في غير موطن: هل بلغت؟ فيشهدون له بالبيان، فجزاه الله عن أمته خيرا" (?).

قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67]، أي: " والله تعالى حافظك وناصرك على أعدائك" (?).

قال قتادة: " أخبر الله نبيه أنه سيكفيه الناس ويعصمه منهم وأمره بالبلاغ" (?).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015