وفَرتُ وفري وانحرْفتُ عن العُلا ... فلقيتُ أضْيافي بوجْهٍ عَبُوسِ
قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف جاز أن يدعو الله عليهم بما هو قبيح وهو البخل والنكد؟
قلت: المراد به الدعاء بالخذلان الذي تقسو به قلوبهم، فيزيدون بخلا إلى بخلهم ونكدا إلى نكدهم، أو بما هو مسبب عن البخل والنكد من لصوق العار بهم وسوء الأحدوثة التي تخزيهم وتمزق أعراضهم" (?).
والحق أن الله يدعو عليهم بالبخل ودعاؤه عبارة عن خلقه الشح في قلوبهم والقبض في أيديهم، فهو الداعي والخالق، لا خالق إلا هو يخلق لهم البخل ويتقدس عنه، قال تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] (?).
قوله تعالى: {وَلُعِنُوا بِمَا} [المائدة: 64]، أي: " وطردهم الله من رحمته بسبب قولهم" (?).
عن السدي قوله: " {ولعنوا بما قالوا}، قال: قالوا إن الله وضع يده على صدره فلم يبسطها أبدا حتى يرد علينا ملكنا" (?).
وفي قوله تعالى: {وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا} [المائدة: 64]، قولان:
أحدهما: يعني: يعذبهم بالجزية. قاله الكلبي (?).
والثاني: ويحتمل: أن يكون لَعْنُهم هو طردهم حين أجلوا من ديارهم. أفاده الماوردي (?).
قال ابن كثير: "وقد رد الله -عز وجل- عليهم ما قالوه، وقابلهم فيما اختلقوه وافتروه وائتفكوه، فقال: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا}، وهكذا وقع لهم، فإن عندهم من البخل والحسد والجبن والذلة أمر عظيم، كما قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا} [النساء: 53 - 55]، وقال تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاس} الآية [آل عمران: 112] " (?).
وقرئ: «ولعنوا»، بسكون العين. وفي مصحف عبد الله: بل يداه بسطان (?).
قوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64]، أي: " بل يداه مبسوطتان لا حَجْرَ عليه، ولا مانع يمنعه من الإنفاق، فإنه الجواد الكريم، ينفق على مقتضى الحكمة وما فيه مصلحة العباد" (?).
عن قتادة: قوله: " {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}، ينفق بهما كيف يشاء" (?).
عن السدي: " {ينفق كيف يشاء}، قال: يرزق كيف يشاء" (?).
قال الزجاج: " أي: هو جواد" (?).