قال القرطبي: " وبخ علماءهم في تركهم نهيهم فقال: {لبئس ما كانوا يصنعون} كما وبخ من يسارع في الإثم بقوله: {لبئس ما كانوا يعملون}، ودلت الآية على أن تارك النهي عن المنكر كمرتكب المنكر، فالآية توبيخ للعلماء في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (?).
قال الثعلبي: " وهذه أشد آية على ما أتى النهي عن المنكر حيث أنزلهم منزلة من يرتكبه وجمع بينهم في التوبيخ" (?).
قال أبو السعود: " وهذا أبلغ مما قيل في حق عامتهم لما أن العمل لا يبلغ درجة الصنع ما لم يتدرب فيه صاحبه ولم يحصل فيه مهارة تامة ولذلك ذم به خواصهم ولأن ترك الحسنة أقبح من مواقعة المعصية لأن النفس تلتذ بها وتميل إليها ولا كذلك ترك الإنكار عليها فكان جديرا بأبلغ ذم وفيه مما ينعى على العلماء توانيهم في النهي عن المنكرات ما لا يخفي" (?).
وروي عن خالد بن دينار عن ابن عباس قال: "ما في القرآن آية أشد توبيخًا من هذه الآية: {لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} قال: كذا قرأ" (?).
وكذا قال الضحاك: "ما في القرآن آية أخوف عندي منها: إنا لا ننهى" (?).
قال أبو حفص النعماني: " قال في المقدمين على الإثم والعدوان وأكلهم السحت: {لبئس ما كانوا يعملون} [المائدة: 62]، وقال في العلماء التاركين للنهي عن المنكر: {لبئس ما كانوا يصنعون} والصنع أقوى من العمل؛ فإنما العمل يسمى صناعة، إذا صار مستقرا راسخا متمكنا، فجعل [حرم] العاملين ذنبا غير راسخ، وذنب التاركين للنهي المنكر ذنبا راسخا، والأمر في الحقيقة راسخا كذلك؛ لأن المعصية مرض الروح، وعلاجه العلم بالله وبصفاته وبأحكامه، فإذا حصل هذا العلم ولم تزل المعصية، كان كالمريض الذي يعالج بأدويته، قل فيها الشفاء، ومثل هذا المرض صعب شديد لا يكاد يزول، وكذلك العالم إذا أقدم على المعصية دل على أن مرض فقد الإيمان في غاية القوة والشدة" (?).
وروي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل بالمعاصي هم أعز منه وأمنع، لم يغيروا، إلا أصابهم الله منه بعذاب" (?).
وقرأ ابن عباس - رضي الله عنهما -: «بئسما»، بغير لام قسم (?).
الفوائد:
1 - قبح سكوت العلماء على المنكر وإغضائهم على فاعليه، ولذا قال كثير من السلف في هذه الآية أشد آية وأخطرها على العلماء.
2 - أن العبرة ليست بوجود العلماء ووفرتهم دون أن يكون لهم أثر فعال في الإصلاح،
فبنوا إسرائيل هلكوا وفيهم العلماء، فما لم يقم علماؤهم بما أوجب الله عليهم من النصح والإصلاح تسلط عليهم الشيطان.
القرآن
{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى