قال مقاتل: " يعني: بما يقولون من الجحود والتكذيب وذلك أن النسطورية قالوا: إن عيسى ابن الله. وقالت: المار يعقوبية إن الله هو المسيح ابن مريم، وقالت عبادة الملك: إن الله- عز وجل- ثالث ثلاثة- هو إله وعيسى إله، ومريم إله، افتراء على الله- تبارك وتعالى- وإنما الله إله واحد وعيسى عبد الله ونبيه- صلى الله عليه وسلم- كما وصف الله- سبحانه- نفسه «أحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد» (?) " (?).

قال ابن كثير: "وهذا تهديد ووعيد أكيد للنصارى على ما ارتكبوه من الكذب على الله وعلى رسوله، وما نسبوه إلى الرب، عز وجل، وتعالى وتقدس عن قولهم علوًا كبيرًا، من جعلهم له صاحبة وولدا، تعالى الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كُفوًا أحد" (?).

قال ابن عطية: " توعدهم الله تعالى بعقاب الآخرة إذ أنباؤهم بصنعهم إنما هو تقرير وتوبيخ للعذاب، إذ صنعهم كفر يوجب الخلود في النار" (?).

الفوائد:

1 - ذم النصارى بنقض الميثاق، كما ذم اليهود وجعل عقوبتهم إيقاع العداوة والبغضاء بينهم.

2 - أن حال النصارى لا تختلف كثيراً عن حال اليهود كأنهم شربوا من ماء واحد. وعليه فلا يستغرب منهم الشر ولا يؤمنون على سر، فهم على عداوة الإسلام والحرب عليه متعاونون متواصون.

3 - ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن من سننه تعالى في خلقه أن يوقع بينهم العداوة والبغضاء إذا تركوا شيئا من شرعه ولم يعملوا به، فقال سبحانه وتعالى عن النصارى: {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون} [المائدة: 14].

وقد اختلفت هذه الأمة كما اختلف من قبلها من الأمم؛ مصداقا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لتتبعن سنن من كان قبلكم" (?)، وظهرت فيها الفرق التي أخبر عنها النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث الافتراق، وادعت كل فرقة أنها على الحق وما عداها على الباطل.

ولكن مع وجود هذا الاختلاف والتفرق، فلا يزال في الأمة طائفة منصورة قائمة بالحق، داعية إليه، لا يضرها من خالفها، ولا من خذلها، إلى أن يأتي أمر الله وهم على ذلك.

ولذلك اهتم سلف هذه الأمة بالدعوة إلى الاعتصام بالكتاب والسنة، والتحذير من البدع والأهواء، وكثرت أقوالهم ومؤلفاتهم في هذه المسألة.

فكتبت كتب كثيرة في السنة وبيان منهج السلف الصالح، وفي الرد على أهل الأهواء والبدع.

ومن هذه الكتب الكثيرة، كتاب الإمام أحمد رحمه الله تعالى في "الرد على الجهمية"، وكتاب "السنة" لعبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل، وكتاب "خلق أفعال العباد" للبخاري، وكتاب "السنة" لابن أبي عاصم، وكتاب "السنة" لمحمد بن نصر المروزي، وكتاب "الشريعة" للآجري، و"شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" للالكائي، وغير ذلك من كتب السلف رضوان الله عليهم (?).

وبعض هذه الكتب، عني فيها مؤلفوها بالكتابة في التحذير من الأهواء والبدع، فألف ابن وضاح القرطبي كتابه "البدع والنهي عنها"، وألف أبو بكر الطرطوشي كتابه "الحوادث والبدع"، وألف أبو شامة كتاب "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، ولكن اقتصرت هذه

طور بواسطة نورين ميديا © 2015