قال القرطبي: " فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية ... وإذا ثبت تجنب أصحاب المعاصي، فتجنب أهل البدع والأهواء أولى" (?).

ويحتمل قوله تعالى: {إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} [النساء: 140]، وجهين (?):

أحدهما: في العصيان وإن لم تبلغ معصيتهم منزلة الكفر.

والثاني: أنكم مثلهم في الرضا بحالهم في ظاهر أمركم, والرضا بالكفر والاستهزاء بآيات الله تعالى كفر, ولكن من قعد معهم ساخطا لتلك الحال منهم لم يكفر, وإن كان غير موسع عليه في القعود معهم.

قال البغوي: " أي: إن قعدتم عندهم وهم يخوضون ويستهزئون ورضيتم به فأنتم كفار مثلهم، وإن خاضوا في حديث غيره فلا بأس بالقعود معهم مع الكراهة" (?).

وقال الحسن: "لا يجوز القعود معهم وإن خاضوا في حديث غيره، لقوله تعالى: {وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} " (?).

والأكثرون على القول الأول. وآية الأنعام مكية وهذه مدنية، والمتأخر أولى (?).

عن هشام ابن عروة، "أن عمر بن عبد العزيز أخذ قوما يشربون فضربهم وفيهم رجل صالح فقيل إنه صائم، فتلا: {فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا} " (?).

قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء: 140]، أي: " إن الله تعالى جامع المنافقين والكافرين في نار جهنم جميعًا" (?).

قال مقاتل بن حيان: " إن الله جامع المنافقين من أهل المدينة والمشركين من أهل مكة، الذين خاضوا واستهزءوا بالقرآن في جهنم جميعا" (?).

قال السمرقندي: " يعني: إذا ماتوا على كفرهم ونفاقهم، فبدأ بالمنافقين لأنهم شر من الكفار، وجعل مأواهم جميعا النار" (?).

قال ابن كثير: " أي: كما أشركوهم في الكفر، كذلك شارك الله بينهم في الخلود في نار جهنم أبدا، وجمع بينهم في دار العقوبة والنكال، والقيود والأغلال. وشراب الحميم والغِسْلين لا الزّلال" (?).

قال الصابوني: " لأن المرء مع من أحب، وهذا الوعيد منه تعالى للتحذير من مخالطتهم ومجالستهم" (?).

عن مقاتل بن حيان قوله: " {أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ}، فنسخت هذه الآية التي في «الأنعام» (?)، فكان هذا الذي أنزل بالمدينة، وخوفهم فقال: إن قعدتم ورضيتم بخوضهم واستهزائهم بالقرآن فـ {إنكم إذا مثلهم} " (?).

وفي رواية الكلبي: "قوله تعالى: {فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}، نسخ بقوله عز وجل: {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 69] " (?).

وقال عامة المفسرين: "إنها محكمة وليست بمنسوخة" (?).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015