قوله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} [النساء: 140]، أي: " وقد نزل عليكم -أيها المؤمنون- في كتاب ربكم" (?).

عن مقاتل بن حيان، قوله: " {وقد نزل عليكم في الكتاب}، قال: في سورة الأنعام بمكة" (?).

وكلهم قرأ: {وقد نزل عليكم} مضمومة النون، غير عاصم فإنه قرأ: {وقد نزل عليكم} مفتوحة النون مشددة الزاى (?).

قوله تعالى: {أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ} [النساء: 140]، أي: " أنه إذا سمعتم الكفر بآيات الله والاستهزاء بها" (?).

قوله تعالى: {فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [النساء: 140]، أي: "فلا تجلسوا مع الكافرين والمستهزئين، إلا إذا أخذوا في حديث غير حديث الكفر والاستهزاء بآيات الله" (?).

قال الجصاص: " فيه نهي عن مجالسة من يظهر الكفر والاستهزاء بآيات الله" (?).

أنبأ العوام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي عن أبي وائل، قال: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من الكذب ليضحك بها القوم، فيسخط الله عليه، فذكرت ذلك لإبراهيم، النخعي فقال: صدق، أليس الله تعالى يقول: {إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره} " (?).

ويحتمل {حتى}، في قوله تعالى: {فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [النساء: 140]، معنيين (?):

أحدهما: أنها تصير غاية لحظر القعود معهم حتى إذا تركوا إظهار الكفر والاستهزاء بآيات الله زال الحظر عن مجالستهم.

والثاني: أنهم كانوا إذا رأوا هؤلاء أظهروا الكفر والاستهزاء بآيات الله, فقال: لا تقعدوا معهم لئلا يظهروا ذلك ويزدادوا كفرا واستهزاء بمجالستكم لهم.

قال الجصاص: "والأول أظهر" (?).

قوله تعالى: {إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} [النساء: 140]، أي: " إنكم إذا جالستموهم، وهم على ما هم عليه، فأنتم مثلهم" (?).

قال مقاتل بن حيان: " إن قعدتم ورضيتم بخوضهم واستهزائهم بالقرآن، فـ {إنكم إذا مثلهم} " (?).

قال الزجاج: " أي إِنكم إِذا جالستموهم على الخوض في كتاب اللَّه بالهزؤ فأنتم

مِثْلُهُمْ" (?).

قال ابن كثير: "أي: إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم، ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله ويستهزأ وينتقص بها، وأقررتموهم على ذلك، فقد شاركتموهم في الذي هم فيه، فلهذا قال تعالى: {إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ}، أي: في المأثم، كما جاء في الحديث: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يُدَار عليها الخَمْر" (?).

قال السمرقندي: " يعني: لو جلستم معهم كنتم معهم في الوزر، وفي هذه الآية دليل أن من جلس في مجلس المعصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية أو عملوا بها، فإن لم يقدر بأن ينكر عليهم ينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية" (?).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015