واختلف لمكان هذه الآية في استتابة المرتد على قولين:
أحدهما: أن المرتد يستتاب ثلاث مرات بدلالة الآية، فإن ارتد بعد الثلاث قتل من غير استتابة، وهذا قول علي (?)، وابن عمر (?).
والثاني: يستتاب كلما ارتد، وهذا قول إبراهيم (?)، وهو قول الشافعي (?)، والجمهور (?).
قوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} [النساء: 137]، أي: " أي لم يكن الله ليسامحهم على ذلك" (?).
قال الحسن: "يعني: من مات منهم على كفره" (?).
قال الطبري: أي: " لم يكن الله ليسترَ عليهم كفرهم وذنوبهم، بعفوه عن العقوبة لهم عليه، ولكنه يفضحهم على رؤوس الأشهاد" (?).
قال الزمخشري: أي: " يستبعد منهم أن يحدثوا ما يستحقون به المغفرة ويستوجبون اللطف، من إيمان صحيح ثابت يرضاه الله، لأن قلوب أولئك الذين هذا ديدنهم قلوب قد ضربت بالكفر ومرنت على الردة، وكان الإيمان أهون شيء عندهم وأدونه، حيث يبدو لهم فيه كرة بعد أخرى وليس المعنى أنهم لو أخلصوا الإيمان بعد تكرار الردة ونصحت توبتهم لم يقبل منهم ولم يغفر لهم، لأن ذلك مقبول حيث هو بذل للطاقة واستفراغ للوسع، ولكنه استبعاد له واستغراب، وأنه أمر لا يكاد يكون، وهكذا ترى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع، لا يكاد يرجى منه الثبات. والغالب أنه يموت على شر حال وأسمج صورة" (?).
قال أبو السعود: " لما أنه يستبعد منهم أن يتوبوا عن الكفر ويثبتوا على الإيمان فإن قلوبهم قد ضربت بالكفر وتمرنت على الردة وكان الإيمان عندهم أهون شئ وأدونه لاانهم لو أخلصوا الإيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم" (?).
قال الزجاج: " فإن قال قائل: اللَّه جلَّ وعزَّ لا يغفر كُفْر مرةٍ واحدةٍ فلم قيل ههنا فيمن
آمن ثُمَّ كفر ثُمَّ آمن ثُمَّ كفر: (لم يكن اللَّه ليغفر لهم) وما الفائدة في هذا؟
فالجواب في هذا - واللَّه أعلم - أن اللَّه عزَّ وجلَّ يغفر للكافر إِذا آمن بعد كفره، فإن كفر بعد إيمانه لم يغفر اللَّه له الكفر الأول، لأن اللَّه -جلَّ وعزَّ- يقبل التوبة، فإِذا كفر بعد إيمان قبله كفْر فهو مطالب بجميع كفره، ولا يجوز أن يكون إذا آمن بعد ذلك لا يغفر له، لأن اللَّه جل ثناؤُه يغفر لكل مؤمن بعد كفره، والدليل على ذلك قوله جلَّ وعزَّ: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} (?)، وهذا في القرآن كثير، وهو شبيه بالِإجماع أيضاً" (?).
قوله تعالى: {وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا} [النساء: 137]، أي: " ولا ليدلهم على طريق من طرق الهداية، التي ينجون بها من سوء العاقبة" (?).
قال مقاتل: " ولا ليهديهم طريق هدى، وقد كفروا بكتب الله" (?).
قال مقاتل: " إلى الهدى، منهم عمرو بن زيد وأوس بن قيس، وقيس بن زيد" (?).
قال الزجاج: " أي: لا يجعلهم بكفرهم مهتدين بل يضلهم، لأنه جلَّ وعزَّ يضل
الفاسقين" (?).
قال الطبري: " يقول: ولم يكن ليسدِّدهم لإصابة طريق الحق فيوفقهم لها، ولكنه يخذلهم عنها، عقوبة لهم على عظيم جُرمهم، وجرأتهم على ربهم" (?).
قال ابن ابي زمنين: " أي: سبيل هدى؛ يعني: الأحياء، وأراد بهذا عامتهم، وقد تسلم الخاصة منهم" (?).
قال البغوي: " أي: طريقا إلى الحق" (?).
قال المراغي: " أي: إن هؤلاء قد استبان من ذبذبتهم واضطراب أحوالهم من إيمان إلى كفر، ثم من كفر إلى إيمان وهكذا دواليك- أنهم قد فقدوا الاستعداد لفهم حقيقة الإيمان وفقه مزاياه وفضائله ومثلهم لا يرجى لهم- بحسب سنن الله فى خليقته- أن يهتدوا إلى الخير ولا أن يسترشدوا إلى نافع ولا أن يسلكوا سبيل الله، فجدير بهم أن يمنع الله عنهم رحمته ورضوانه، ومغفرته وإحسانه، لأن أرواحهم قد دنست، وقلوبهم قد عميت، فلم تكن محلا للمغفرة ولا للرجاء فى ثواب، ولا شك أن المغفرة وهى محو أثر الذنب من النفس إنما تكون بتأثير التوبة والعمل الصالح الذي يزيل ما علق فى النفس من تلك الآثام كما قال تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] " (?).
الفوائد:
1 - أن الكفر من أعظم مانع يمنع من حصول المغفرة، ولما تكرر منه الكفر بعد الإيمان فاهتدى ثم ضل، وأبصر ثم عمي، وآمن ثم كفر واستمر على كفره وازداد منه، فإنه بعيد من التوفيق والهداية لأقوم الطريق، وبعيد من المغفرة (?).
2 - أن مثل هذا التذبذب والاضطراب في الأحوال من الإيمان إلى الكفر، ثم من الكفر إلى الإيمان وهكذا دواليك، أدى إلى فقدان الاستعداد لفهم حقيقة الإيمان وفقه مزاياه وفضائله، ومثلهم لا يرجى لهم- بحسب سنن الله فى خليقته- أن يهتدوا إلى الخير ولا أن يسترشدوا إلى نافع ولا أن يسلكوا سبيل الله، فجدير بهم أن يمنع الله عنهم رحمته ورضوانه، ومغفرته وإحسانه، لأن أرواحهم قد دنست، وقلوبهم قد عميت، فلم تكن محلا للمغفرة ولا للرجاء فى ثواب (?).
3 - دلت الآية: أنهم إن لم يزدادوا كفرا بل رجعوا إلى الإيمان، وتركوا ما هم عليه من الكفران، فإن الله يغفر لهم، ولو تكررت منهم الردة (?).
قال السعدي: "وإذا كان هذا الحكم في الكفر فغيره من المعاصي التي دونه من باب أولى أن العبد لو تكررت منه ثم عاد إلى التوبة، عاد الله له بالمغفرة" (?).
القرآن
{بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138)} [النساء: 138]
التفسير:
بشّر -أيها الرسول- المنافقين -وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر- بأن لهم عذابًا موجعًا.
سبب النزول:
قال مقاتل: " ولما نزلت المغفرة للنبي- صلى الله عليه وسلم- وللمؤمنين فى سورة الفتح قال عبد الله بن أبي ونفر معه، فما لنا؟ فأنزل الله- عز وجل-: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ}، يعني: عبد الله بن أبي، ومالك بن دخشم، وجد بن قيس" (?).
قوله تعالى: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ} [النساء: 138]، أي: " أخبر-أيها الرسول- المنافقين -وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر" (?).