قال الضحاك: " {أو تعرضوا}، قال: تكتموا الشهادة" (?).
وعن مجاهد قوله: " {أو تعرضوا}، قال: تتركوا" (?). وروي عن عطية مثل ذلك (?).
وروي عن السدي أنه قال: "فتعرض عنها فتكتمها وتقول: ليس عندي شهادة" (?).
وقال ابن زيد: " أو يُعرض عنها فيكتمها، فيأبى أن يَشهد عليه، يقول: أكتم عنه لأنه مسكين أرحَمُه! فيقول: لا أقيم الشهادة عليه. ويقول: هذا غنيٌّ أبقّيه وأرجو ما قِبَله، فلا أشهد عليه! " (?).
قال الطبري: وأما إعراضه عن الشهادة، فإنه تركه أداءَها والقيام بها، فلا يشهد بها" (?).
قوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 135]، أي: " فإن الله تعالى كان عليمًا بدقائق أعمالكم، وسيجازيكم بها" (?).
قال سعيد بن جبير: " يعني: من كتمان الشهادة وإقامتها خبيرا" (?).
قال الطبري: " وهذه الآية عندي تأديبٌ من الله جل ثناؤه عبادَه المؤمنين أن يفعلوا ما فعله الذين عذَروا بني أبيرق في سرقتهم ما سرقوا، وخيانتهم ما خانوا ممن ذكرنا قبل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهادتهم لهم عنده بالصلاح" (?).
الفوائد:
1 - وجوب العدل في القضاء والشهادة.
2 - حرمة شهادة الزور وحرمة التخلي عن الشهادة لمن تعينت عليه، كما ثبت في الصحيحين عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر» ثلاثا، قلنا: بلى، يا رسول الله، قال: «الشرك بالله، وعقوق الوالدين». وكان متكئا فجلس، فقال: «ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور [ألا وقول الزور وشهادة الزور]». فما زال يكررها، حتى قلنا: ليته سكت" (?).
3 - ومن أسماءه سبحانه «الخبير»: أي: العالم بما كان وما يكون.
قال الخطابي: " هو العالم بكنه الشيء، المطلع على حقيقته" (?).
جاء في حديث عائشة رضي الله عنها؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها في قصة تتبعها له إلى البقيع: "ما لك يا عائش حشيا رابية؟ ". قالت: قلت: لا شيء. قال: "لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير" (?).
قال أبو هلال العسكري: " الفرق بين العلم والخبر: أن الخبر هو العلم بكنه المعلومات على حقائقها؛ ففيه معنى زائد على العلم" (?).
القرآن
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136)} [النساء: 136]
التفسير:
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه داوموا على ما أنتم عليه من التصديق الجازم بالله تعالى وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ومن طاعتهما، وبالقرآن الذي نزله عليه، وبجميع الكتب التي أنزلها الله على الرسل. ومن يكفر بالله تعالى، وملائكته المكرمين، وكتبه التي أنزلها لهداية خلقه، ورسله الذين اصطفاهم لتبليغ رسالته، واليوم الآخر الذي يقوم الناس فيه بعد موتهم للعرض والحساب، فقد خرج من الدين، وبَعُدَ بعدًا كبيرًا عن طريق الحق.
سبب النزول:
عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: "أن عبد الله بن سلام، وأسداً وأسيداً ابني كعب، وثعلبة بن قيس، وسلاماً ابن أخت عبد الله بن سلام، وسلمة ابن أخيه، ويامين بن يامين، أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا رسول الله! إنا نؤمن بك وبكتابك وموسى والتوراة وعزيز، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «بل آمنوا بالله ورسوله محمد، وكتابه القرآن، وبكل كتاب كان قبله»، فقالوا: لا نفعل؛ فنزلت: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ}. قال: فآمنوا كلهم " (?). [موضوع].
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [النساء: 136]، أي: " يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه" (?).
قال الزمخشري: "خطاب للمسلمين" (?).
قال سعيد بن جبير: "قوله: {آمنوا بالله}، يعني: بتوحيد الله" (?).
قال ابن عثيمين: "إن تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان" (?).
قال ابن مسعود رضي الله عنه: "إذا سمعت الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (?).
قال خيثمة: "ما تقرأون في القرآن: {يا أيها الذين آمنوا}، فإنه في التوراة: يا أيها المساكين" (?).
قوله تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} [النساء: 136]، أي: " داوموا على ما أنتم عليه من التصديق الجازم بالله تعالى وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ومن طاعتهما" (?).
قال الماتريدي: {وَرَسُولِهِ} " يعني: محمدا - صلى الله عليه وسلم -" (?).
قال الطبري: " يقول: صدّقوا بالله وبمحمد رسوله، أنه لله رسولٌ، مرسل إليكم وإلى سائر الأمم قبلكم" (?).
قال الزمخشري: " معنى: {آمنوا}، اثبتوا على الإيمان وداوموا عليه وازدادوه" (?).
قوله تعالى: {وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ} [النساء: 136]، أي: " وبالقرآن الذي نزله علي رسوله" (?).
قال الثعلبي: " يعني: القرآن" (?).