قال الطبري: أي: " فإن الله مجازيه به جزاءَه في الدنيا من الدنيا، وجزاءه في الآخرة من الآخرة من العقاب والنكال، وإنما عنى بذلك جل ثناؤه: الذين تَتَيَّعُوا في أمر بني أبيرق، والذين وصفهم في قوله: {وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} [سورة النساء: 107، 108]، ومن كان من نظرائهم في أفعالهم ونفاقهم" (?).
وهذا التفسير للآية عند الطبري فيه نظر، لأن" قوله {فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} ظاهر في حضور الخير في الدنيا والآخرة، أي: بيده هذا وهذا، فلا يقْتَصِرَنَّ قاصر الهمة على السعي للدنيا فقط، بل لتكن همته سامية إلى نيل المطالب العالية في الدنيا والآخرة، فإن مرجع ذلك كله إلى الذي بيده الضر والنفع، وهو الله الذي لا إله إلا هو، الذي قد قسم السعادة والشقاوة في الدنيا والآخرة بين الناس، وعدل بينهم فيما علمه فيهم، ممن يستحق هذا، وممن يستحق هذا" (?).
ويحتمل قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [النساء: 134]، وجوها من التفسير (?):
أحدها: أنهم كانوا يتخذون من دون الله آلهة يعبدونها؛ طلبا للرياسة والعز والشرف؛ كقوله - عز وجل -: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، فأخبر أن العز والشرف ليس في ذلك؛ ولكن عند الله عز الدنيا والآخرة.
والثاني: أنهم كانوا يعبدون الأوثان والأصنام، ويقولون: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]ـ ويقولون: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: 18]؛ فأخبر أن ليس في عبادتكم هذه الأوثان دون الله - لكم زلفى، ولا ثواب، ولكن اعبد الله؛ فعنده الدنيا والآخرة.
والثالث: يحتمل: أن يكونوا عبدوا هذه الأصنام؛ لمنافع يتأملون بذلك في الدنيا والسعة في الدنيا؛ كقوله - تعالى -: {إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُون} [العنكبوت: 17]، الآية؛ فعلى ذلك قوله - عز وجل -: {من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة} لا عند من تطلبون.
والرابع: ويحتمل أن تكون الآية في أهل المراءاة والنفاق، الذين يراءون بأعمالهم الصالحة في الدنيا؛ يريدون ثواب الدنيا لا غير. وهذا اختيار الطبري (?).
قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 134]، أي: " وكان الله سميعًا لأقوال عباده، بصيرًا بأعمالهم ونياتهم، وسيجازيهم على ذلك" (?).
قال مقاتل: " بأعمالكم" (?).
قال الماتريدي: " {سميعا}، لمقالتكم، {بصيرا}، بما تريدون وتعملون، وهو وعيد" (?).
قال المراغي: " أي: وكان الله سميعا لأقوال عباده حين مخاطباتهم ومناجاتهم، بصيرا بجميع أمورهم فى سائر حالاتهم، فعليهم أن يراقبوه فى الأقوال والأفعال، وبذا تزكو نفوسهم وتقف عند حدود الفضيلة التي بها تستقيم أمورهم فى دنياهم ويستعدون لحياة أبدية فى آخرتهم يكون فيها نعيمهم وثوابهم" (?).
قال محمد بن إسحاق: " {سميعا}، أي: سميع ما تقولون" (?).
عن عقبة بن عامر: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية: {سميعا بصيرا}، يقول: «بكل شيء بصير» " (?).
الفوائد: