قال الزجاج: " أي: إن تحسنوا إليهن، وتحملوا عشرتهن" (?).
قال السمرقندي: "يقول: تحسنوا إليهن وتتقوا الميل والجور" (?).
قال ابن كثير: "أي: وإن تتجشموا مشقة الصبر على من تكرهون منهن، وتقسموا لهن أسوة أمثالهن" (?).
قال الطبري: اي: " وإن تحسنوا، أيها الرجال، في أفعالكم إلى نسائكم، إذا كرهتم منهن دَمامة أو خُلُقًا أو بعضَ ما تكرهون منهن بالصبر عليهن، وإيفائهن حقوقهن وعشرتهن بالمعروف، وتتقوا الله فيهن بترك الجَوْر منكم عليهن فيما يجب لمن كرهتموه منهن عليكم، من القسمة له، والنفقة، والعشرة بالمعروف" (?).
قال الزمخشري: أي: " وإن تحسنوا بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهن وأحببتم غيرهن، وتصبروا على ذلك مراعاة لحق الصحبة وتتقوا النشوز والإعراض وما يؤدى إلى الأذى والخصومة" (?).
قال الماتريدي: اي: " في أن تعطوهن أكثر من حقهن، وتتقوا في ألا تبخسوا من حقهن شيئا" (?).
عن سعيد بن جبير: في قول الله تعالى: " {وتتقوا}، يعني: المؤمنين يحذرهم" (?).
قال أبو حيان: " ندب تعالى إلى الإحسان في العشرة على النساء وإن كرهن مراعاة لحق الصحبة، وأمر بالتقوى في حالهن، لأن الزوج قد تحمله الكراهة للزوجة على أذيتها وخصومتها لا سيما وقد ظهرت منه أمارات الكراهة من النشوز والإعراض، وقد وصى النبي صلى الله عليه وسلم بهن «فإنهن عوان عند الأزواج» (?) " (?).
قوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرً} [النساء: 128]، أي: " فإن الله كان بما تعملون من ذلك وغيره عالمًا لا يخفى عليه شيء، وسيجازيكم على ذلك" (?).
قال الماتريدي: معناه: " على الترغيب والوعيد" (?).
قال الزجاج: "أي: يخْبُرُ ذلك فيجازيكم عليه" (?).
قال السمرقندي: أي: " في الإحسان والجور" (?).
قال ابن كثير: أي: " فإن الله عالم بذلك وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء" (?).
قال الزمخشري: أي: " {فإن الله كان بما تعملون} من الإحسان والتقوى {خبيرا}، وهو يثيبكم عليه" (?).
قال الطبري: أي: " فإن الله كان بما تعلمون في أمور نسائكم، أيها الرجال، من الإحسان إليهن والعشرة بالمعروف، والجور عليهن فيما يلزمكم لهنّ ويجب، عالمًا خابرًا، لا يخفي عليه منه شيء، بل هو به عالم، وله محصٍ عليكم، حتى يوفِّيكم جزاءَ ذلك: المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيءَ بإساءته" (?).
وحكي أن "عمران بن حطان الخارجي كان من أدم بنى آدم، وامرأته من أجملهم، فأجالت في وجهه نظرها يوما ثم تابعت الحمد لله، فقال: مالك؟ قالت: حمدت الله على أنى وإياك من أهل الجنة، قال: كيف؟ قالت: لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت، وقد وعد الله الجنة عباده الشاكرين والصابرين" (?).
الفوائد:
1 - استحباب الصلح بين الزوجين عند تعذر البقاء مع بعضهما إلا به.
2 - يؤخذ من عموم هذا اللفظ والمعنى أن الصلح بين من بينهما حق أو منازعة في جميع الأشياء أنه خير من استقصاء كل منهما على كل حقه، لما فيها من الإصلاح وبقاء الألفة والاتصاف بصفة السماح.
وهو جائز في جميع الأشياء إلا إذا أحل حراما أو حرم حلالا فإنه لا يكون صلحا وإنما يكون جورا.
واعلم أن كل حكم من الأحكام لا يتم ولا يكمل إلا بوجود مقتضيه وانتفاء موانعه، فمن ذلك هذا الحكم الكبير الذي هو الصلح، فذكر تعالى المقتضي لذلك ونبه على أنه خير، والخير كل عاقل يطلبه ويرغب فيه، فإن كان -مع ذلك- قد أمر الله به وحث عليه ازداد المؤمن طلبا له ورغبة فيه (?).
3 - أنه متى وفق الإنسان لهذه الخلق الحسن، وهو إزالة الشح من نفسه، سهل حينئذ عليه الصلح بينه وبين خصمه ومعامله، وتسهلت الطريق للوصول إلى المطلوب. بخلاف من لم يجتهد في إزالة الشح من نفسه، فإنه يعسر عليه الصلح والموافقة، لأنه لا يرضيه إلا جميع ماله، ولا يرضى أن يؤدي ما عليه، فإن كان خصمه مثله اشتد الأمر (?).
4 - أن الواجب علي الزوجة أن تتثبت فيما تراه من أمارات الإعراض من زوجها، فربما كان الذي شغله عن مسامرتها والرغبة عن مباعلتها، مسائل من مشاكل الحياة الدنيوية أو الدينية، وهى أسباب خارجية لا دخل له فيها، ولا تعلق لها بكراهتها والجفوة عنها، وحينئذ عليها أن تعذره، وتصبر على ما لا تحب من ذلك، أما إذا استبان لها أن ذلك لكراهته إياها ورغبته عنها (?).
5 - من أسماءه سبحانه «الخبير»: أي: العالم بما كان وما يكون.
قال الخطابي: " هو العالم بكنه الشيء، المطلع على حقيقته" (?).
جاء في حديث عائشة رضي الله عنها؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها في قصة تتبعها له إلى البقيع: "ما لك يا عائش حشيا رابية؟ ". قالت: قلت: لا شيء. قال: "لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير" (?).
قال أبو هلال العسكري: " الفرق بين العلم والخبر: أن الخبر هو العلم بكنه المعلومات على حقائقها؛ ففيه معنى زائد على العلم" (?).
القرآن
{وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (129)} [النساء: 129]
التفسير:
ولن تقدروا -أيها الرجال- على تحقيق العدل التام بين النساء في المحبة وميل القلب، مهما بذلتم في ذلك من الجهد، فلا تعرضوا عن المرغوب عنها كل الإعراض، فتتركوها كالمرأة التي ليست بذات زوج ولا هي مطلقة فتأثموا. وإن تصلحوا أعمالكم فتعدلوا في قَسْمكم بين زوجاتكم، وتراقبوا الله تعالى وتخشوه فيهن، فإن الله تعالى كان غفورًا لعباده، رحيمًا بهم.
سبب النزول:
قال أبو مليكة: " نزلت هذه الآية في عائشة: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ} " (?).