وقال السعدي: "قوله: {وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} هذا إخبار عن الحالة الموجودة الواقعة في ذلك الوقت، فإن اليتيمة إذا كانت تحت ولاية الرجل بخسها حقها، وظلمها، إما بأكل مالها الذي لها، أو بعضه، أو منعها من التزوج لينتفع بمالها، خوفًا من استخراجه من يده إن زوّجها، أو يأخذ من مهرها الذي تتزوج به، بشرط أو غيره، هذا إذا كان راغبًا عنها، أو يرغب فيها وهي ذات جمال ومال، ولا يقسط في مهرها بل يعطيها دون ما تستحق" (?).

والظاهر -والله أعلم- أن ما ذكره ابن كثير والسعدي - رحمهما اللَّه - هو الحق، وبيان ذلك أن يقال إن اللَّه تحدث عن نكاح اليتامى من النساء في آيتين من نفس سورة النساء هما قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: 3]، وقوله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ .. }، وبعيدٌ عن بلاغة القرآن وفصاحته أن يكون حديثُ الآيتين عن معنى واحد يتكرر فيهما، فإن هذا نقص في كلام البشر فكيف بكلام الله جلَّ وعلا؟

فإن قيل: الثاني مؤكد للأول، فما الجواب؟

فالجواب أن يقال: إن كلام اللَّه إذا دار بين التوكيد والتأسيس تعين حمله على التأسيس لأنه يحمل معنى زائدًا على مجرد التوكيد.

وعلى هذا يكون حديث الآية الأولى عن الرجل تكون عنده اليتيمة ذات مال وجمال يريد أن يتزوجها بدون أن يقسط في صداقها، ولفظ الآية الأولى يدل على ذلك كما تقدم في أول سورة النساء.

وحديث الآية الثانية في الرجل تكون عنده اليتيمة تشاركه في ماله وليست ذات جمال، فيرغب عن نكاحها، ويكره أن يزوجها غيره لئلا يشاركه في مالها، فيعضلها لأجل ذلك، ولفظ الآية الثانية يدل على ذلك فإن اللَّه قال: {فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ}، أي: من حقوقهن وأموالهن اللاتي يملكنها ولهذا قال في آخر الآية: {وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ} {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ}، أي: ترغبون عن نكاحهن.

ولفظ مسلم عن عائشة - «رعِنها» - يدل على هذا الفهم.

وأما قول الطبري: "إن ذلك في المواريث" (?)، فسياق الآيات لا يسعفه.

والراجح-والله اعلم- أن سبب نزول الآية الكريمة ما كان يجري في عهده - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذ كان بعض الناس يعضل اليتيمة عن النكاح لئلا يُشرك في مالها ويرغب هو عن نكاحها لقلة جمالها، فاستفتى بعض الصحابة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ذلك فأنزل اللَّه الآية، وذلك لصحة السند وصراحة اللفظ وموافقة السياق.

قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} [النساء: 127]، أي: " يطلب الناس منك -أيها النبي- أن تبين لهم ما أشكل عليهم فَهْمُه من قضايا النساء وأحكامهن" (?).

قال السمعاني: " أي: يطلبون فتواك في النساء" (?).

قال ابن الجوزي: " {ويستفتونك}، أي: يطلبون منك الفتوى، وهي تبيين المشكل من الأحكام. وقيل: الاستفتاء: الاستخبار. قال المفسرون: والذي استفتوه فيه، ميراث النساء، وذلك أنهم قالوا: كيف ترث المرأة والصبي الصغير؟ " (?).

قال الواحدي: " الاستفتاء طلب الفتوى، يقال: أفتى الرجل في المسألة، واستفتيته فأفتاني، إفتاء، وفتيا وفتوى اسمان من: أفتى، يوضعان موضع الإفتاء، ويقال: أفتيت فلانًا في رؤياها، إذا عبرتها له، وأفتيته في مسألته، إذا أجبته عنها، ومعنى الإفتاء والفتيا: تبيين المشكل من الأحكام، وأصله من الفتي، وهو الشاب الحدث الذي شب وقوي، فكأنه يقويّ ببيانه ما أشكل، فيشب ويصير فتيا قويا" (?).

قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} [النساء: 127]، " أي: قل لهم يا محمد: يبين الله لكم ما سألتم في شأنهنَّ ويبين لكم ما يتلى في القرآن من أمر ميراثهن" (?).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015