والثالث: أنهم كانوا في الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال، فلما فرض الله المواريث في هذه السورة، شق ذلك عليهم، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس (?)، وسعيد بن جبير (?)، ومجاهد (?)، وابن زيد (?)، والكلبي (?).

والرابع: روي عن عبد الملك بن محمد بن حزم، قال: "أن عمرة بنت حزم كانت تحت سعد بن الربيع؛ فقتل عنها بأُحد، وكان له منها ابنة، فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - تطلب ميراث ابنتها؛ ففيها نزلت: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} " (?).

والخامس: وقال مقاتل بن سليمان: " نزلت في سويد وعرفطة ابني الحارث وعيينة بن حصن الفزاري ذلك أنه لما فرض الله- عز وجل- لأم كحة وبناتها الميراث انطلق سويد وعرفطة وعيينة بن حصن الفزاري إلى النبي- صلى الله عليه وسلم، فقالوا للنبي- صلى الله عليه وسلم-: إن المرأة لا تركب فرسا ولا تجاهد وليس عند الولدان الصغار منفعة في شيء- فأنزل الله- عز وجل- فيهم «ويستفتونك» يعني يسألونك عن النساء يعني سويدا وصاحبيه" (?). وكذلك ذهب السمرقندي (?)، والسمعاني (?)، وغيرهم، من السادة المفسرين. بأنها نزلت في أم كجة التي ذكرت في أول السورة، إذ كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان (?).

والسادس: أخرج ابن أبي حاتم عن سالم عن سعيد، قال: "كان رجل له امرأة قد كبرت وعنست من الحيض وكان له منها أولاد فأراد أن يطلقها وأن يتزوج، فقالت: لا تطلقني، ودعني أقوم على ولدي واقسم كل عشر إن شئت أو أكثر من ذلك إن شئت، فقال: إن كان هذا يصلح فهو أحب إلي، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال: «قد سمع الله ما تقول فإن شاء، أجابك»، قال: وأنزل الله تعالى: {يستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن}، فأفتاهم عما لم يسألوا عنه" (?).

قال الطبري: " وأولى هذه الأقوال التي ذكرنا عمن ذكرناها عنه بالصواب، وأشبهها بظاهر التنزيل، قول من قال: معنى قوله: {وما يتلى عليكم في الكتاب}، وما يتلى عليكم من آيات الفرائضِ في أول هذه السورة وآخرها، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الصَّداق ليس مما كُتب للنساء إلا بالنكاح، فما لم تنكح فلا صداق لها قِبَل أحد. وإذا لم يكن ذلك لها قِبَل أحدٍ، لم يكن مما كتب لها. وإذا لم يكن مما كتب لها، لم يكن لقول قائل: عنى بقوله: {وما يتلى عليكم في الكتاب}، الإقساطَ في صدقات يتامى النساء وَجْهٌ" (?).

وابن العربي لما ساق حديث عائشة قال: "وفي ذلك من الحشو روايات لا فائدة في ذكرها هاهنا، يرجع معناها إلى قول عائشة - رضي الله عنها" (?).

والإشكال الذي يَرِدُ هنا أن يُقال: ما هي الإضافة التي جاءت بها آية النساء الثانية؟ أو قل ما الفرق بين الآيتين؟

أجاب: ابن كثير - رحمه الله - قائلا: "والمقصود أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل له تزويجها، فتارة يرغب في أن يتزوجها فأمره الله أن يمهرها أسوة أمثالها من النساء فإن لم يفعل فليعدل إلى غيرها من النساء فقد وسع اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - وهذا المعنى في الآية الأولى التي في أول السورة، وتارة لا يكون فيها رغبة لدمامتها عنده أو في نفس الأمر فنهاه الله - عَزَّ وَجَلَّ - أن يعضلها عن الأزواج خشية أن يشركوه في ماله الذي بينه وبينها" (?).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015