والخلة الصداقة، والخلة الحاجة، فأمَّا معنى الحاجةِ، فإِنه الاختلال الذي يلحق الِإنسان فيما يحتاج إِليه، وأمَّا الخلة الصداقة فمعناها إنَّه يسُد كل محب خَلَلَ صاحبه في المودة وفي الحاجة إليه، والخلل كل فرجة تقع في شيء، والخِلَال الذي يتخلل به، وإنما سمي خلالاً لأنه، يتبع به الخلل بين الأسْنانِ، وقول الشاعر (?):
ونظرن من خَلَلِ الستور بأعينٍ ... مرضَى مخالِطها السِّقام صحاح
فإن معناه نظرن من الفرجُ التي تقع في الستور، والخلوةُ والخلل يرجعان إِلى معنى، والخِل الطريق في الرملِ معناه أنه انفرجتْ فِيه فرجة فصارت طريقاً. والخَل الذي يؤكل إنما سمي خلًّا لأنه اختلَّ منه طعم الحلاوة" (?).
وفي سبب اتخاذ الله له خليلا ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه اتخذه خليلا لإطعامه الطعام.
روى عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يا جبريل، لم اتخذ الله إبراهيم خليلا؟
قال: لإطعامه الطعام» (?).
وأخرج ابن ابي حاتم عن عبيد بن عمير قال: "كان إبراهيم عليه السلام يضيف الناس، فخرج يوما يلتمس إنسانا يضيفه، فلم يجد أحدا فرجع إلى داره فوجد فيها رجلا قائما، قال: يا عبد الله، ما أدخلك داري بغير إذني؟ قال: دخلتها بإذن ربها. قال: ومن أنت؟ قال: أنا ملك الموت أرسلني ربي إلى عبد من عباده أبشره بأن الله اتخذه خليلا. قال: من هو؟ فوالله إن أخبرتني به ثم كان بأقصى البلاد لآتينه، ثم لا أبرح له جارا حتى يفرق بيننا الموت. قال: ذاك العبد أنت. قال: أنا؟ قال: نعم. قال: فبما اتخذني ربي خليلا. قال: إنك تعطي الناس ولا تسألهم" (?).
والثاني: أنه اتخذه خليلا لكسره الأصنام، وجداله قومه، قاله مقاتل (?).
والثالث: أن الناس أصابتهم سنة فأقبلوا إلى باب إبراهيم يطلبون الطعام، وكانت له ميرة من صديق له بمصر في كل سنة، فبعث غلمانه بالإبل إلى صديقه، فلم يعطهم شيئا، فقالوا: لو احتملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة، فملؤوا الغرائر رملا، ثم أتوا إبراهيم عليه السلام، فأعلموه، فاهتم إبراهيم لأجل الخلق. فنام وجاءت سارة وهي لا تعلم ما كان، ففتحت الغرائر، فاذا دقيق حواري، فأمرت الخبازين فخبزوا، وأطعموا الناس، فاستيقظ إبراهيم، فقال: من أين هذا الطعام؟ فقالت: من عند خليلك المصري، فقال: بل من عند خليلي الله عز وجل، فيومئذ اتخذه الله خليلا. روي ذلك عن ابن عباس (?).
قلت: وأما الخبر الذي روي عن ابن عباس، فإنه لا أصل له في المرفوع، إذ جاء برواية أبي صالح عن ابن عباس كما عند ابن الجوزي (?)، وهو في اسباب النزول للواحدي (?) وتفسير البغوي (?) برواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وهذا إسناد ساقط، الكلبي متروك، وأبو صالح لم يسمع من ابن عباس، والكلبي وأبو صالح أقرا أنهما كانا يكذبان على ابن عباس (?).
وقد ذكر هذا الخبر الطبري بدون إسناد (?)، ونقله عنه ابن كثير في تفسيره، وقال: "وفي صحة هذا ووقوعه نظر، وغايته أن يكون خبرا إسرائيليا لا يصدق ولا يكذب" (?).