قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 99]، أي: " وكان الله كثير العفو يتجاوز عن سيئاتهم، ويسترها عليهم" (?).

قال مقاتل: " فلا يعاقبهم لإقامتهم عن الهجرة في عذر" (?).

قال الراغب: " أخر ذكر الغفران إذ هو أبلغ، وقد تقدم أن الوصفين إذا اجتمعا يقدم الأعم ويؤخر الأخص، تنبيه على أن مثل هذه الصفة ليست على وجه المطابقة، واعتبارا لحصول المعفو عنه والمغفور له، بل ذلك له على وجه أشرف من ذلك" (?).

وأختلف أهل العلم في تفسير قوله تعالى {وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 99]، على أقوال:

أحدها: أن المعنى: كان غفوراً لعباده، عن عباده قبل أن يخلقهم. وهذا قول الحسن (?).

والثاني: وقال النحويون البصريون: كأنَّ القوم شاهدوا من الله رحمة فأعلموا أن ذلك ليس بحادثِ، وأنَّ الله لم يزل كذلك (?).

والثالث: وقال قوم " من النحويين: "كان"، و " فعَلَ " من اللَّه بمنزلة ما في الحال، فالمعنى: والله عفو غفور (?).

قال الزجاج: " والذي قاله الحسن وغيره أدخل في اللغة، وأشبه بكلام العرب، وأما القول الثالث فمعناه يُؤول إِلى ما قاله الحسن وسيبويه، إِلا أن يكون الماضي بمعنى الحال يقِل، وصاحب هذا القول له من الحجة قولنا " غفر الله لفُلَانٍ " بمعنى: ليغفر اللَّه له، فلما كان في الحال دليل على الاستقبال وقع الماضي مَؤدياً عنها استخفافاً، لأن اختلاف ألفاظ الأفعال إِنما وقع لاختلاف الأوقات، فإِذا أُعْلِمت الأحوال والأوقات استُغني بلفظ بعض الأفعال عن لفظ بعض، الدليل على ذلك قوله جلَّ وعزَّ: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160]، وقوله: {وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} [الفرقان: 71]، معناه: من يَتُبْ ومن يجئ بالحسنة يعط عشْر أمثالها" (?).

الفوائد:

1 - إن هذه الآية والتي قبلها قسمت أصناف المهاجرين إلى قسمين:

أولاً: من تجب عليه الهجرة، وهو القادر عليها مع عدم إمكان إظهار دينه، هذا لا بد قيد، لا بد أن يقيد بالوجوب مع عدم إمكان إظهار دينه، وهذا يدل عليه آية النساء التي فيها ({ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ}) لأن الله تعالى وصفهم بأنهم ظالمون لأنفسهم في ارتكابهم محرمًا بالإجماع.

الصنف الثاني: من لا هجرة عليه، وهو العاجز المستضعف عن الهجرة، كالمريض أو المكره والولدان والنساء والضعفة لقوله: {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ}. هذا استثناء له حكمه الخاص، لكن يجب عليهم اعتزال المشركين والصبر على أذاهم (?).

2 - أن هذه الآية وعد من الله عز وجل بالعفو عن هؤلاء المستضعفين، وذلك لعذرهم بعدم الاستطاعة.

3 - ويدخل ضمن هذه الآية من كان في إقامته مصلحة دينية؛ كالدعوة إلى الله ونشر الإسلام في بلادهم.

4 - قال أهل العلم: إن السفر إلى بلاد الكفار محرم إلا عند الضرورة؛ كالعلاج، والتجارة، والتعلم للتخصصات النافعة التي لا يمكن الحصول عليها إلا بالسفر إليهم؛ فيجوز بقدر الحاجة، وإذا انتهت الحاجة؛ وجب الرجوع إلى بلاد المسلمين، ويشترط كذلك لجواز هذا السفر أن يكون مُظْهِرًا لدينه، معتزًا بإسلامه، مبتعدًا عن مواطن الشر، حذرًا من دسائس الأعداء ومكائدهم (?).

القرآن

طور بواسطة نورين ميديا © 2015