فأعطوهم الفتنة، فنزلت فيهم: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ} [سورة العنكبوت: 10]، إلى آخر الآية، فكتب المسلمون إليهم بذلك، فحزنوا وأيسوا من كل خير، ثم نزلت فيهم: {إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}، [سورة النحل: 110]، فكتبوا إليهم بذلك: إن الله قد جعل لكم مخرجًا، فخرجوا فأدركهم المشركون، فقاتلوهم حتى نجا من نجا، وقُتِل من قتل" (?).
والثاني: عن ابن جريج عن عكرمة: " قوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ} إلى قوله: {وَسَاءَتْ مَصِيرًا}؛ قال: نزلت في قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الأسود، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبي العاص بن مُنبّه بن الحجاج وعلي بن أمية بن خلف، قال: لما خرج المشركون من قريش وأتباعهم لمنع أبي سفيان بن حرب وعِيرِ قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأنْ يطلبوا ما نِيل منهم يوم نَخْلة، خرجوا معهم شباب كارهين كانوا قد أسلموا واجتمعوا ببدر على غير موعد، فقتلوا ببدر كفارًا، ورجعوا عن الإسلام، وهم هؤلاء الذين سميناهم" (?). وروي عن ابن إسحاق نحو ذلك (?).
والثالث: عن ابن جريج، قال مجاهد: "نزلت هذه الآية فيمن قتل يوم بدر من الضعفاء من كفار قريش" (?).
والرابع: وقال الضحاك: " هم أناس من المنافقين تخلَّفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يخرجوا معه إلى المدينة، وخرجوا مع مشركي قريش إلى بدر، فأصيبوا يومئذ فيمن أصيب، فأنزل الله فيهم هذه الآية" (?).
والرابع: وقال قتادة: " حُدِّثنا أن هذه الآية أنزلت في أناس تكلّموا بالإسلام من أهل مكة، فخرجوا مع عدوِّ الله أبي جهل، فقتلوا يوم بدر، فاعتذروا بغير عذر، فأبى الله أن يقبلَ منهم" (?).
الظاهر-والله أعلم- أن الروايات جميعها متقاربة، وأن " المراد بهذه الآية إلى قوله: {مصيرا}، جماعة من أهل مكة كانوا قد أسلموا وأظهروا للنبي صلى الله عليه وسلم الإيمان به، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أقاموا مع قومهم، وفتن منهم جماعة فافتتنوا، فلما كان أمر بدر خرج منهم قوم مع الكفار فقتلوا ببدر، فنزلت الآية فيهم" (?).
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} [النساء: 97]، أي: " إن الذين توفَّاهم الملائكة وقد ظلموا أنفسهم بقعودهم في دار الكفر وترك الهجرة" (?).
قال الزجاج: " المعنى: تتوفاهم في حال ظلمهم أنْفُسَهُم، يُعنَى به: المشركون الذين تخلفوا عن الهجرة إِلى النبي - صلى الله عليه وسلم –" (?).
قال الزمخشري: " هم ناس من أهل مكة أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة فريضة" (?).
قوله تعالى: {قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ} [النساء: 97]، " أي: تقول لهم الملائكة في أيّ شيء كنتم من أمر دينكم؟ " (?).
قال مقاتل: " يقول: في أي شيء كنتم" (?).
قال الزجاج: " أي: قال الملائكة للمشركين: فيم كنتم؟ أي: أكنتم في المشركين أم في أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -؟ وهذا سؤَال توبيخ" (?).