قال ابن كثير: " «عسى» للترجي، فإذا انتفى الترجي في هاتين الصورتين لا ينتفى وقوع ذلك في أحدهما، وهو القتل؛ لما ذكرنا من الأدلة. وأما من مات كافرا؛ فالنص أنه لا يغفر له البتة، وأما مطالبة المقتول القاتل يوم القيامة فإنه حق من حقوق الآدميين وهي لا تسقط بالتوبة، ولا فرق بين المقتول والمسروق منه، والمغضوب منه والمقذوف وسائر حقوق الآدميين، فإن الإجماع منعقد على أنها لا تسقط بالتوبة، ولا بد من أدائها إليهم في صحة التوبة، فإن تعذر ذلك فلا بد من الطلابة يوم القيامة، لكن لا يلزم من وقوع الطلابة وقوع المجازاة، وقديكون للقاتل أعمال صالحة تصرف إلى المقتول أو بعضها، ثم يفضل له أجر يدخل به الجنة، أو يعوض الله المقتول من فضله بمايشاء، من قصور الجنة ونعيمها، ورفع درجته فيها ونحو ذلك، والله أعلم" (?).
قال البغوي: " والذي عليه الأكثرون، وهو مذهب أهل السنة أن قاتل المسلم عمدا توبته مقبولة لقوله تعالى: وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا [طه: 82] وقال: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48، 116]، وما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما فهو تشديد ومبالغة في الزجر عن القتل، كما روي عن سفيان بن عيينة أنه قال: إن لم يقتل يقال له لا توبة لك، وإن قتل ثم جاء يقال لك توبة، ويروى مثله ابن عباس رضي الله عنهما، وليس في الآية متعلق لمن يقول بالتخليد في النار بارتكاب الكبائر، لأن الآية نزلت في قاتل هو كافر، وهو مقيس بن صبابة، وقيل: إنه وعيد لمن قتل مؤمنا مستحلا لقتله بسبب إيمانه، ومن استحل قتل أهل الإيمان لإيمانهم كان كافرا مخلدا في النار، وقيل: قوله تعالى: فجزاؤه جهنم خالدا فيها معناه هي جزاؤه إن جازاه، ولكنه إن شاء عذبه بذنبه وإن شاء غفر له بكرمه، فإنه وعد أن يغفر لمن يشاء، حكي أن عمرو بن عبيد جاء إلى أبي عمرو بن العلاء فقال له: هل يخلف الله وعده؟ فقال: لا، فقال: أليس قد قال الله تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها فقال أبو عمرو بن العلاء: من العجمة أتيت يا أبا عثمان! إن العرب لا تعد الإخلاف في الوعيد خلفا وذما وإنما تعد إخلاف الوعد خلفا وذما وأنشد (?):
وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
والدليل على أن غير الشرك لا يوجب التخليد في النار: ما رويناه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة» (?) " (?).
الفوائد: