وعن سفيان: "كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا: لا توبة له" (?).
قال الزمخشري: "وذلك محمول منهم على الاقتداء بسنة الله في التغليظ والتشديد، وإلا فكل ذنب ممحو بالتوبة" (?).
قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 92]، أي: " وكان الله تعالى عليما بحقيقة شأن عباده، حكيمًا فيما شرعه لهم" (?).
قال الطبري: " يقول: ولم يزل الله {عليمًا}، بما يصلح عباده فيما يكلفهم من فرائضه وغير ذلك، {حكيمًا}، بما يقضي فيهم ويريد" (?).
قال سعيد بن جبير: " يعني: حكم الكفارة لمن قتل خطا ثم صارت دية في العهد والموادعة لمشركي العرب منسوخة، نسختها الآية التي في براءة {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يتوارث أهل ملتين» (?) " (?).
وفي نسخ قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: 92]، قولان (?):
أحدهما: قال جمهور أهل العلم: أن الإشارة بهذا إلى الذي يقتل خطأ فعلى قاتله الدية والكفارة. وهذا قول ابن عباس (?)، والشعبي (?)، وقتادة (?)، والزهري (?)، وابن زيد (?)، وأبي حنيفة (?)، والشافعي (?)، فالآية على هذا محكمة.
والثاني: وقد ذهب بعض المفسرين (?) إلى أن المراد به من كان من المشركين بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد وهدنة إلى أجل، ثم نسخ ذلك بقوله: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 1] وبقوله: {فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنفال: 85].
الفوائد:
1 - قال الزمخشري: " والعجب من قوم يقرؤن هذه الآية ويرون ما فيها ويسمعون هذه الأحاديث العظيمة، وقول ابن عباس بمنع التوبة، ثم لا تدعهم أشعبيتهم وطماعيتهم الفارغة واتباعهم هواهم وما يخيل إليهم مناهم، أن يطمعوا في العفو عن قاتل المؤمن بغير توبة، أفلا يتدبرون القرآن، أم على قلوب أقفالها؟ " (?).
2 - إن كفَّارة القتل الخطأرففيه الدية؛ إذ تسلَّم إلى أهل الميت إذا طلبوها فتصبح ملكًا لهم يتصرَّفون فيها كما يشاءون وينتفعون بها.
3 - من أسماءه تعالى: «العليم»: يدل على أن له سبحانه وتعالى علما محيطاً عاما لجميع الأشياء، فلا يخرج عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.
قال أبو سليمان: " العليم: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق، وجاء على بناء: فعيل، للمبالغة في وصفه بكمال العلم" (?).
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما وقول الخضِر لموسى عليهما السلام: "إنك على علمٍ من علم الله علمكه الله لا أعلمه، وأنا على علمٍ من علم الله علمنيه لا تعلمه" (?).
وأما «الحكيم»، فالحكمة: هي وضع الشيء في موضعه اللائق به، فالله تعالى الحكيم الذي له الحكمة التامة التي لا يخرج عنها مخلوق، ولا يشذ عنها مأمور، فما خلق سبحانه شيئا إلا لحكمة، ولا أمر بشيء إلا لحكمة فالله الحكيم سبحانه حكيم في خلقه، وأمره، وتعليمه ما يشاء، ومنعه ما يشاء.
و«حكيم» بمعنى: «مُحْكِم»، والله تعالى مُحكِم للأشياء، متقن لها، كما قال سبحانه: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النحل آية 88].
قال أبو إسحاق الإسفراييني: " من أسامي صفات الذات ما هو للعلم ... منها: «الحكيم»، ويختص بأن يعلم دقائق الأوصاف" (?).
القرآن
{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93)} [النساء: 93]
التفسير:
ومن يَعْتَدِ على مؤمن فيقتله عن عمد بغير حق فعاقبته جهنم، خالدًا فيها مع سخط الله تعالى عليه وطَرْدِهِ من رحمته، إن جازاه على ذنبه وأعدَّ الله له أشد العذاب بسبب ما ارتكبه من هذه الجناية العظيمة. ولكنه سبحانه يعفو ويتفضل على أهل الإيمان فلا يجازيهم بالخلود في جهنم.
سبب النزول:
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، قال: "نزلت في مقيس بن ضبابة الكناني، وذلك أنه أسلم وأخوه هشام بن ضبابة، وكان بالمدينة فوجد مقيس أخاه هشاما ذات يوم قتيلا في الأنصار في بني النجار، فانطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره بذلك، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من قريش من بني فهر ومعه مقيس إلى بني النجار ومنازلهم يومئذ بقباء أن ادفعوا إلى مقيس قاتل أخيه أن علمتم ذلك وإلا فادفعوا إليه الدية، فلما جاءهم الرسول، قالوا: السمع والطاعة لله وللرسول، والله ما نعلم له قاتلا ولكن نؤدي الدية فدفعوا إلى مقيس مائة من الإبل دية أخيه، فلما انصرف مقيس والفهري راجعين من قباء إلى المدينة وبينهما ساعة، عمد مقيس إلى الفهري رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتله، وارتد عن الإسلام وركب جملا منها وساق معه البقية ولحق بمكة وهو يقول في شعر له (?):
قتلت به فهرا وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب فارع
حَلَلْتُ بِهِ وِترِي، وَأَدْرَكْتُ ثُؤْرَتِي ... وَكُنْتُ إِلَى الأَوْثَانِ أَوَّلَ راجِعِ
فنزلت فيه بعد قتل النفس وأخذ الدية وارتد عن الإسلام ولحق بمكة كافرا، {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} " (?). وذكر الواحدي نحوه عن الكلبي عن ابي صالح عن ابن عباس (?).
وفي السياق نفسه اخرج الطبري عن عن ابن جريج، عن عكرمة: "أن رجلا من الأنصار قتل أخا مقيس بن صُبَابة، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الديةَ فقبلها، ثم وثب على قاتل أخيه فقتله قال ابن جريج: وقال غيره: ضرب النبيّ صلى الله عليه وسلم ديتَه على بني النجار، ثم بعث مقيسًا، وبعث معه رجلا من بني فهر في حاجة للنبي صلى الله عليه وسلم، فاحتمل مقيسٌ الفِهريَّ وكان أيِّدًا فضرب به الأرض، ورَضخَ رأسه بين حجرين، ثم ألفى يتغنى (?):
ثَأَرْتُ بِهِ فِهْرًا، وَحَمَّلْتُ عَقْلَهُ ... سَرَاةَ بَنِي النَّجَّارِ أَرْبَابِ فَارِعِ
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أظنّه قد أحدث حدثًا! أما والله لئن كان فعل، لا أومِنه في حِلّ ولا حَرَم ولا سلم ولا حرب! فقتل يوم الفتح، قال ابن جريج: وفيه نزلت هذه الآية: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا}،