قوله تعالى: {وَمَنْ تَوَلَّى} [النساء: 80]، "أي: ومن أعرض عن طاعتك" (?).
قال ابن عباس، ومقاتل: "أعرض عن طاعتك يا محمد" (?).
قوله تعالى: {فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80]، أي: " أي ومن أعرض عن طاعتك، فما بعثناك -أيها الرسول- على هؤلاء المعترضين رقيبًا تحفظ أعمالهم وتحاسبهم عليها، فحسابهم علينا" (?).
قال مقاتل: " يعني: رقيبا" (?).
قال أبو عبيدة: " أي: محاسبا " (?).
قال السدي وابن قتيبة: " {حفيظا}، أي: محاسبا لهم" (?).
قال ابن عباس: "رقبلا تؤخذ بهم" (?).
قال الواحدي: أي: " حافظا من التولي والإعراض" (?).
قال الزمخشري: أي: " لا حفيظا ومهيمنا عليهم تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها وتعاقبهم، كقوله: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيل} [الأنعام: ، الزمر: 41، الشورى: 6107] " (?).
قال الزجاج: أي: " أنك لا تعلم غيبهم إنما لك ما ظهر منهم" (?).
وقد ذهب قوم منهم عبد الرحمن بن زيد، إلى أن هذه الآية نزلت في بداية الأمر ثم نسخت بآية السيف، أخرج الطبري عن ابن وهب قال: "سألت ابن زيد عن قول الله: {فما أرسلناك عليهم حفيظًا}، قال: هذا أول ما بعثه، قال: {إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ} [سورة الشورى: 48]. قال: ثم جاء بعد هذا بأمره بجهادهم والغلظة عليهم حتى يسلموا" (?).
قال ابن الجوزي: "وفيه بعد، لأنه إذا كان تفسيرها ما ذكرنا (?) فأي وجه للنسخ؟ " (?).
الفوائد:
1 - إن الأصل الثاني من أصول الشريعة الإسلامية هو السنة. أي ما ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولاً أو فعلاً أو تقريراً. وقد أمرنا بالتمسك بها، قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7].
2 - أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الناطق بالوحي، قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم: 3 - 4]، وعلى ذلك جعلت طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله {من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً}، وقال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115].
ولذلك قرنت إطاعة الرسول بإطاعة الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} [الأنفال: 20].
والآيات في هذه المعنى كثيرة جداً، ومنكر السنة النبوية الثابتة عن كافر، كما أن منكر القرآن خارج عن الملة الإسلامية، لأن السنة بيان للقرآن وتوضح وشرح له وتفسير لمعانيه ومطالبه {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44].
3 - قال الشافعي: " وضع الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - من دينه، وأهل دينه، موضع الإبانة عن كتاب الله - عزَّ وجلَّ معنى ما أراد الله، وفرض طاعته فقال: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}، وقال: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65]، الآية، وقال: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: 63]، الآية، فعلم أن الحق كتاب اللَّه، ثم سُنَّة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فليس لمفتٍ ولا لحاكم، أن يفتي ولا يحكم حتى يكون عالماً بهما، ولا أن يخالفهما ولا واحداً منهما بحال، فإذا خالفهما فهو عاصِ لله - عز وجل -، وحكمه مردود، فإذا لم يوجدا منصوصين فالاجتهاد" (?).
4 - قال الثعلبي: " وفي قوله: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}، دليل على إبطال قول من زعم أن السنة تعرض على الكتاب لم يعمل بها وذلك إن كل ما نص الله عز وجل، عليه فإنما صار فرضا بالكتاب، فإذا عدم النص من الكتاب، وورد به السنة فوجب إتباعها، ومن خالفها فقد خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن خالف رسول الله فقد خالف الله، لأن في طاعة الرسول طاعة الله، فمن زعم أنه لم يقبل خبره إلا بعد أن يعرض على كتاب الله، فقد أبطل كل حكم ورد عنه ما لم ينص عليه الكتاب" (?).
القرآن
{وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81)} [النساء: 81]
التفسير:
ويُظْهر هؤلاء المعرضون -وهم في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم- طاعتهم للرسول وما جاء به، فإذا ابتعدوا عنه وانصرفوا عن مجلسه، دبَّر جماعة منهم ليلا غير ما أعلنوه من الطاعة، وما علموا أن الله يحصي عليهم ما يدبرون، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء، فتول عنهم -أيها الرسول- ولا تبال بهم، فإنهم لن يضروك، وتوكل على الله، وحسبك به وليّاً وناصرًا.
في سبب نزول الآية:
قال مقاتل: " وذلك أنهم دخلوا على النبي- صلى الله عليه وسلم- فقالوا: مرنا بما شئت، فأمرك طاعة، فإذا خرجوا من عنده خالفوا، وقالوا غير الذي قال لهم النبي- صلى الله عليه وسلم- فأنزل الله- عز وجل-: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ} ... {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ}، يعني: الجلاس بن سويد، وعمرو بن زيد" (?).
وقد أخرج الطبري ابن عباس: "قوله: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ}، وهم ناس كانوا يقولون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: آمنا بالله ورسوله، ليأمنوا على دمائهم وأموالهم. وإذا برزوا من عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، خالفوا إلى غير ما قالوا عنده، فعابهم الله، فقال: {بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ}، يقول: يغيرون ما قال النبي صلى الله عليه وسلم" (?).
قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ} [النساء: 81]، "أي: ويقول المنافقون: أمرك يا محمد طاعة" (?).
قال ابن عباس: " فهم أناس كانوا يقولون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنا بالله ورسوله، ليأمنوا على دمائهم وأموالهم" (?).
قال السدي: " هؤلاء المنافقون الذين يقولون إذا حضروا النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرهم بأمر قالوا: طاعة" (?).
قال الماوردي: " يعني المنافقين، أي أمرنا طاعة" (?).
قال السمعاني: " يعني: المنافقين يقولون باللسان: مرنا، فإن أمرك طاعة" (?).
قال الزمخشري: أي: " ويقولون إذا أمرتهم بشيء طاعة بالرفع أى أمرنا وشأننا طاعة. ويجوز النصب بمعنى أطعناك طاعة. وهذا من قول المرتسم: سمعا وطاعة، وسمع وطاعة" (?).