قال ابن عطية: " توعد للكفرة، وتهديد تقتضيه قوة الكلام، لأن المعنى شهيدا على من كذبه، والمعنى أن الرسول إنما يأمر وينهى بيانا من الله وتبليغا، فإنما هي أوامر الله ونواهيه" (?).
قال أنس بن مالك: " بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس في المسجد، إذ دخل رجل على جمل، فأناخه في المسجد، ثم عقله، ثم قال: أيكم محمد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم متكئ بين ظهرانيهم. قال: فقلنا له: هو الأبيض الرجل المتكئ. قال: يا ابن المطلب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أجبتك. فقال له الرجل: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجدن في نفسك علي. قال: سل عما بدا لك، فقال: أنشدك بربك ورب من كان قبلك، الله أرسلك إلى الناس كلهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم نعم" (?).
الفوائد:
1 - الآية فيه الرد على القدرية، فإن مذهب أهل السنة أن القدر خيره وشره، وحلوه ومره، من الله تعالى، ، وفي حديث جبرائيل: "وتؤمن بالقدر خيره وشره" (?)، فقوله تعالى، {فمِنْ نَفْسِكَ} محمولٌ على السبب الذي سبق من الربِّ تقديره بدليل قوله: {ما أصابَكَ}.
2 - وصف الله عَزَّ وجَلَّ بأنه (شهيد)، والشهيد اسم من أسمائه تعالى، و"هو الذي لا يغيب عنه شيء، يقال: شاهد وشهيد؛ كعالم وعليم؛ أي أنه حاضر يشاهد الأشياء ويراها" (?).
قال السعدي: " الشهيد؛ أي: المطلع على جميع الأشياء، سمع جميع الأصوات خفيها وجليها، وأبصر جميع الموجودات دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها، وأحاط علمه بكل شيء، الذي شهد لعباده وعلى عباده بما عملوه" (?).
قال النبي-صلى الله عليه وسلم-: " اللهم اشهد! فليبلغ الشاهد الغائب" (?).
القرآن
{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80)} [النساء: 80]
التفسير:
من يستجب للرسول صلى الله عليه وسلم، ويعمل بهديه، فقد استجاب لله تعالى وامتثل أمره، ومن أعرض عن طاعة الله ورسوله فما بعثناك -أيها الرسول- على هؤلاء المعترضين رقيبًا تحفظ أعمالهم وتحاسبهم عليها، فحسابهم علينا.
في سبب نزول الآية قولان:
أحدهما: أنها نزلت في المنافقين. وهذا قول أكثر المفسرين (?).
قال مقاتل: " وذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال في المدينة «من أحبني فقد أحب الله، ومن أطاعنى فقد أطاع الله» (?). فقال المنافقون: ألا تسمعون إلى هذا الرجل وما يقول؟ لقد قارب الشرك وهو ينهي ألا يعبد إلا الله، فما حمله على الذي قال إلا أن نتخذه حنانا- يعنون ربا- كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم حنانا. فأنزل الله- عز وجل- تصديقا لقوله نبيه- صلى الله عليه وسلم-: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} " (?).