قوله تعالى: {وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 152]، "أي والله ذو منٍّ ونعمةٍ على المؤمنين في جميع الأوقات والأحوال" (?).
قال التستري: " بالعفو عنهم وقبول التوبة منهم" (?).
قال مقاتل: " {والله ذو فضل} في عقوبته على المؤمنين حيث لم يقتلوا جميعا" (?).
قال الطبري: أي: " والله ذو طَوْل على أهل الإيمان به وبرسوله، بعفوه لهم عن كثير ما يستوجبون به العقوبة عليه من ذنوبهم، فإن عاقبهم على بعض ذلك، فذو إحسان إليهم بجميل أياديه عندهم" (?).
قال البيضاوي: أي: " يتفضل عليهم بالعفو، أو في الأحوال كلها سواء أديل لهم أو عليهم إذ الابتلاء أيضا رحمة" (?).
قال ابن إسحاق: " يقول: وكذلك منَّ الله على المؤمنين، أن عاقبهم ببعض الذنوب في عاجل الدنيا أدبًا وموعظة، فإنه غير مستأصل لكل ما فيهم من الحق له عليهم، لما أصابوا من معصيته، رحمةً لهم وعائدة عليهم، لما فيهم من الإيمان" (?).
قال السعدي: " أي: ذو فضل عظيم عليهم، حيث منَّ عليهم بالإسلام، وهداهم لشرائعه، وعفا عنهم سيئاتهم، وأثابهم على مصيباتهم.
ومن فضله على المؤمنين أنه لا يقدّر عليهم خيرا ولا مصيبة، إلا كان خيرا لهم. إن أصابتهم سراء فشكروا جازاهم جزاء الشاكرين، وإن أصابتهم ضراء فصبروا، جازاهم جزاء الصابرين" (?).
قال الماتريدي: {وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}، أي: " بالعفو عنهم، وقبول التوبة؛ حيث عصوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتركوا أمره، وعلى قول المعتزلة عليه أن يفعل ذلك؛ فعلى قولهم ليس هو بذي فضل على أحد، نعوذ بالله من السرف في القول.
والفائدة في تخصيص المؤمنين بالامتنان عليهم دون جملة من بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهم ومنهم، مع ما ذكر منته بالبعث من أنفسهم، وقد بينا وجه المنة في البعث من جوهر البشر - وجهان:
أحدهما: أن من لم يؤمن به لم يكن عرف نعمة من الله - تعالى - وإن كان - في الحقيقة - نعمة منه لهم، ورحمة لهم وللعالمين، فخص من عرفه ليشكروا له بما ذكرهم؛ وهو كقوله - عز وجل -: {إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب}، أي: هم يقبلون ويعرفون حق الإنذار.
والثاني: أنه صار لهم حجة على جميع الأعداء: أنهم لا يطيعون لمعنى كان منهم، إلا وللمؤمنين عليهم وجه دفع ذلك بما كان عليه ما عرفوه به قبل الرسالة؛ لما فيه لزوم القول بصدقه؛ فيكون ذلك منة لهم وسرورا ونعمة عظيمة؛ فاستأداهم الله لشكرها، ولا قوة إلا بالله" (?).
الفوائد:
1 - انه تعالى قد نصر المؤمنين في أحد كما نصرهم في بدر.
2 - ان من البلاغة أن يؤكد الخبر إذا كان الحال تقتضي ذلك، لقوله: {ولقد نصركم الله وعده}، فيه قسم وتوكيد واللام وقد.
3 - شدة عزيمة الصحابة-رضي الله عنهم- في طلب العدو، لقوله: {إذ تحسونهم بإذنه}، والحس: القتل، أو أشد منه كأنه يسمع له صوت عند القتل.
4 - أن النزاع والمعصية سبب لفوات كمال النصر، فالمسلمين انتصروا في اول الامر، لكن لما حدث هذا المانع امتنع او انتفى كمال النصر.