شيئا فأنزل الله- عز وجل- في الحارث فاستثنى {إلا الذين تابوا} فلا يعذبون {من بعد ذلك} يعني من بعد الكفر {وأصلحوا} في العمل فيما بقي {فإن الله غفور} لكفره {رحيم} " (?).
والسادس: أخرج الطبري عن ابن عباس: " {كيف يهدي الله قومًا كفرُوا بعد إيمانهم}، فهم أهلُ الكتاب، عرَفوا محمدًا صلى الله عليه وسلم ثم كفروا به" (?). وروي عن الحسن مثل ذلك (?).
قوله تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} [آل عمران: 86]، "أي: كيف يستحق الهْداية قوم كفروا بعد إِيمانهم" (?).
قال الطبري: أي: " كيف يُرشد الله للصواب ويوفّق للإيمان، قومًا جحدُوا نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، بعد تصديقهم إياه وإقرارهم بما جاءَهم به من عند ربه" (?).
قوله تعالى: {وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ} [آل عمران: 86]،
قوله تعالى: {وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [آل عمران: 86]، أي: " وجاءهم الحجج من عند الله والدلائلُ بصحة ذلك" (?).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 86]، أي: " والله لا يوفّق للحق والصّواب الجماعة الظَّلمة" (?).
قال ابن الجوزي: " وقوله: {كيف يهدي الله قوما كفروا} استفهام في معنى الجحد، أي: لا يهديهم الله. وفيه طرف من التوبيخ، كما يقول الرجل لعبده: كيف أحسن إلى من لا يطيعني. أي: لست أفعل ذلك والمعنى: أنه لا يهدي من عاند بعد أن بان له الصواب. وهذا محكم لا وجه لدخول النسخ عليه وقد زعم قوم منهم السدي أن هذه الآيات منسوخات بقوله: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك} " (?).
ثم ذكر ابن الجوزي عن السدي: " {كيف يهدي الله قوما كفروا} قال: نزلت في الحارث ثم أسلم فنسخها الله عزوجل فقال: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا} (?).
قال ابن الجوزي: "وقد بينا فيما تقدم أن الاستثناء ليس بنسخ وإنما هو مبين، أن اللفظ الأول لم يرد به العموم وإنما المراد به من عاند ولم يرجع إلى الحق بعد وضوحه، ويؤكد هذا أن الآيات خبر، والنسخ لا يدخل في الأخبار بحال" (?).
الفوائد:
1 - أن من أضل الله عن بصيرة فإنه يبعد أن يُهدى-نعوذ بالله-.
2 - أن من فسق عن بصيرة فإنه يبعد ان يكون من العدول.
3 - أن الهداية والإضلال بيد الله، فمن كان اهلا للهداية هداه، ومن كان اهلا للضلال أضله الله.
4 - أن الإنسان قد يعاند ويستكبر بعد أن تبين له الحق.
5 - أن الكفر بعد الإيمان أغلظ من الكفر الأصلي، لأن الله تعالى استبعد ان يهتدي هؤلاء، في حين ذكر في موضع آخر ان الله تعالى قد يهدي الكافرين، فقال: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الممتحنة: 7].
6 - أن النبي-صلى الله عليه وسلم- حق، لأن الله لام هؤلاء على الكفر بعد أن شهدوا أن الرسول حق.
7 - أن الله لم يدع الخلق هملا، بل أقام لهم الحجج والبينات.