في مقابله: {وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} بما ذكر من قوله: {مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا} لأن أمر الله تعالى بالخيرات والحسنات معلوم وإنما المجهول أمر الشيطان، إذ كان أمره يخفى على الجهال وإنما يعرفه أولوا الألباب" (?).
قوله تعالى: {وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 268]، " أي: واسع بالجود والفضل على من أنفق، عليم بنيات من أنفق" (?).
قال أبو حيان: "وقيل: عليم أين يضع فضله" (?).
أي: والله {وَاسِعٌ} "يوسع على من يشاء، {عَلِيمٌ} بأفعالكم ونياتكم" (?).
قال الطبري: " {والله واسع}، الفضل الذي يعدكم أن يعطيكموه من فضله وسعة خزائنه {عليم} بنفقاتكم وصدقاتكم التي تنفقون وتصدقون بها، يحصيها لكم حتى يجازيكم بها عند مقدمكم عليه في آخرتكم" (?).
قال القاسمي: " وَاللَّهُ واسِعٌ قدرة وفضلا فيحقق ما وعدكم به من المغفرة وإخلاف ما تنفقونه عَلِيمٌ بصدقاتكم. فلا يضيع أجركم" (?).
الفوائد:
1 - من فوائد الآية: إثبات إغواء الشياطين لبني آدم؛ لقوله تعالى: {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء}.
2 - ومنها: أن للشيطان تأثيراً على بني آدم إقداماً، أو إحجاماً؛ أما الإقدام: فيأمره بالزنى مثلاً، ويزين له حتى يُقْدم عليه؛ وأما الإحجام: فيأمره بالبخل، ويعده الفقر لو أنفق؛ وحينئذٍ يحجم عن الإنفاق.
3 - ومنها: أن أبواب التشاؤم لا يفتحها إلا الشياطين؛ لقوله تعالى: {يعدكم الفقر}؛ فالشيطان هو الذي يفتح لك باب التشاؤم يقول: «إذا أنفقت اليوم أصبحت غداً فقيراً؛ لا تنفق»؛ والإنسان بشر: ربما لا ينفق؛ ربما ينسى قول الله تعالى: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين} [سبأ: 39]، وقول رسوله (ص): «ما نقصت صدقة من مال».
4 - ومنها: بيان عداوة الشيطان للإنسان؛ لأنه في الواقع عدو له في الخبر، وعدو له في الطلب؛ في الخبر: يعده الفقر؛ في الطلب: يأمره بالفحشاء؛ فهو عدو مخبراً، وطالباً - والعياذ بالله.
5 - ومنها: أن البخل من الفواحش؛ لأن المقام مقام إنفاق؛ فيكون المراد بالفاحشة: البخل، وعدم الإنفاق.
6 - ومنها: أن من أمر شخصاً بالإمساك عن الإنفاق المشروع؛ فهو شبيه بالشيطان؛ وكذلك من أمر غيره بالإسراف فالظاهر أنه شيطان؛ لقوله تعالى: {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً} [الإسراء: 27].
7 - ومنها: البشرى لمن أنفق بالمغفرة، والزيادة؛ لقوله تعالى: {والله يعدكم مغفرة منه وفضلًا}؛ شتان ما بين الوعدين: {الشيطان يعدكم الفقر}؛ {والله يعدكم مغفرة منه وفضلًا}؛ فالله يعدنا بشيئين: المغفرة، والفضل؛ المغفرة للذنوب؛ والفضل لزيادة المال في بركته، ونمائه.
فإن قال قائل: كيف يزيد الله تعالى المنفِق فضلاً ونحن نشاهد أن الإنفاق ينقص المال حساً؛ فإذا أنفق الإنسان من العشرة درهماً صارت تسعة؛ فما وجه الزيادة؟