والثانية: وقرأ الزهري {يعملون} بالياء. قال ابن عطية: " كأنه يريد به الناس أجمع. أو يريد المنفقين فقط، فهو وعد محض" (?).
الفوائد:
1 - من فوائد الآية: أنه لا إنفاق نافع إلا ما كان مملوكاً للإنسان؛ لقوله تعالى: {أموالهم}؛ فلو أنفق مال غيره لم يقبل منه إلا أن يكون بإذن من الشارع، أو المالك.
فإن قال قائل: عندي مال محرم لكسبه، وأريد أن أتصدق به فهل ينفعني ذلك؟
فالجواب: إن أنفقه للتقرب إلى الله به: لم ينفعه، ولم يسلم من وزر الكسب الخبيث؛ والدليل قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً» (?)؛ وإن أراد بالصدقة به التخلص منه، والبراءة من إثمه: نفعه بالسلامة من إثمه، وصار له أجر التوبة منه - لا أجر الصدقة.
ولو قال قائل: عندي مال اكتسبته من ربا فهل يصح أن أبني به مسجداً، وتصح الصلاة فيه؟
فالجواب: بالنسبة لصحة الصلاة في هذا المسجد هي صحيحة بكل حال؛ وبالنسبة لثواب بناء المسجد: إن قصد التقرب إلى الله بذلك لم يقبل منه، ولم يسلم من إثمه؛ وإن قصد التخلص سلم من الإثم، وأثيب - لا ثواب باني المسجد - ولكن ثواب التائب.
2 - ومن فوائد الآية: بيان ما للنية من تأثير في قبول الأعمال؛ لقوله تعالى: {ابتغاء مرضات الله}.
3 - ومنها: اشتراط الإخلاص لقبول الأعمال؛ لقوله تعالى: {ابتغاء مرضات الله}.
4 - ومنها: أن الإنفاق لا يفيد إلا إذا كان على وفق الشريعة؛ لقوله تعالى: {ابتغاء مرضات الله}؛ وجه ذلك أن من ابتغى شيئاً فإنه لا بد أن يسلك الطريق الموصل إليه؛ ولا طريق يوصل إلى مرضات الله إلا ما كان على وفق شريعته في الكم، والنوع، والصفة؛ كما قال تعالى في الكم: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً} [الفرقان: 67]؛ وقال تعالى في النوع: {ولكل أمة جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} [الحج: 34]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله إلا الطيب» (?)؛ وفي الصفة قال الله تعالى: {كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ... } إلخ [البقرة: 264].
5 - ومن فوائد الآية: إثبات رضا الله؛ لقوله تعالى: {مرضات الله}؛ وهو من الصفات الفعلية.
6 - ومنها: بيان أن تثبيت الإنسان لعمله، واطمئنانه به من أسباب قبوله؛ لقوله تعالى: {وتثبيتاً من أنفسهم}؛ لأن الإنسان الذي لا يعمل إلا كارهاً فيه خصلة من خصال المنافقين؛ كما قال تعالى: {ولا ينفقون إلا وهم كارهون} [التوبة: 54].
7 - ومنها: فضل الإنفاق على وجه التثبيت من النفس؛ لأنه يندفع بدافع نفسي؛ لا بتوصية من غيره، أو نصيحة.
8 - ومنها: إثبات القياس؛ لقوله تعالى: {مثل ... كمثل ... }؛ وقد ذكرنا قاعدة فيما سبق أن كل مثال في القرآن سواء كان تمثيلياً، أو إفرادياً، فهو دليل على ثبوت القياس.
9 - ومنها: أنه يحسن في التعليم أن يبين المعقول بالمحسوس؛ لقوله تعالى: {كمثل جنة بربوة}؛ وهذا من البلاغة؛ لأنه يقرب المعقول إلى أذهان الناس.
10 - ومنها: اختيار المكان الأنفع لمن أراد أن ينشئ بستاناً؛ لقوله تعالى: {كمثل جنة بربوة}.