قال الصابوني: " أي فرِّق أجزاءهن على رءوس الجبال" (?).
قال السعدي: " واجعل على كل جبل، أي: من الجبال التي في القرب منه، جزء من تلك الأجزاء" (?).
قال ابن عثيمين: " والله أعلم بالحكمة من تعيين العدد، والجبال" (?).
وقوله تعالى: {ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً} [البقرة: 260]، فيه أربعة أقاويل (?):
أحدها: أنها كانت أربعة جبال، قاله ابن عباس (?)، والحسن، وقتادة (?)، والربيع (?)، وابن إسحاق (?)، وابن زيد (?).
والثاني: أنها كانت سبعة، قاله ابن جريج (?)، والسدي (?)، وابن عباس (?).
والثالث: كل جبل، قاله مجاهد (?)، والضحاك (?).
والرابع: أنه أراد جهات الدنيا الأربع، وهي المشرق والمغرب والشمال والجنوب، فمثّلها بالجبال، قاله ابن بحر.
والراجح: هو قول مجاهد ومن وافقه، "وهو أن الله تعالى ذكره أمرَ إبراهيم بتفريق أعضاء الأطيار الأربعة بعد تقطيعه إياهن، على جميع الأجبال التي كان يصل إبراهيم في وقت تكليف الله إياه تفريقَ ذلك وتبديدَها عليها أجزاء. لأن الله تعالى ذكره قال له: {ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا} و (الكل) حرف يدل على الإحاطة بما أضيف إليه، لفظه واحد ومعناه الجمع، فإذا كان ذلك كذلك، فلن يجوز أن تكون الجبال التي أمر الله إبراهيمَ بتفريق أجزاء الأطيار الأربعة، عليها خارجةً من أحد معنيين: إما أن تكون بعضًا، أو جميعا، فإن كانت " بعضًا " فغير جائز أن يكون ذلك البعض إلا ما كان لإبراهيم السبيلُ إلى تفريق أعضاء الأطيار الأربعة عليه، أو يكون " جميعا "، فيكون أيضًا كذلك، وقد أخبر الله تعالى ذكره أنه أمره بأن يجعل ذلك على " كل جبل "، وذلك إما كل جبل وقد عرفهن إبراهيم بأعيانهن، وإمَّا ما في الأرض من الجبال.
فأما قول من قال: " إن ذلك أربعة أجبل "، وقول من قال: " هن سبعة "، فلا دلالة عندنا على صحة شيء من ذلك فنستجيز القول به، وإنما أمر الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم أن يجعل الأطيار الأربعة أجزاء متفرقة على كل جبل، ليري إبراهيم قدرته على جمع أجزائهن وهنَّ متفرقات متبدِّدات في أماكن مختلفة شتى، حتى يؤلف بعضهن إلى بعض، فيعدن كهيئتهن قبل تقطيعهن وتمزيقهن وقبل تفريق أجزائهن على الجبال أطيارًا أحياءً يطرن، فيطمئنّ قلب إبراهيم، ويعلم أنّ كذلك جَمْعُ الله أوصال الموتى لبعث القيامة، وتأليفه أجزاءهم بعد البلى وردّ كل عضو من أعضائهم إلى موضعه كالذي كان قبل الردَى" (?).
واختلفوا هل قطّع إبراهيم الطير أعضاء صرن به أمواتاً، أم لا؟ على قولين (?):
أحدهما: أنه قطَّعَهُن أعضاء صرن به أمواتاً، ثم دعاهن فعدْن أحياء ليرى كيف يحيي الله الموتى كما سأل ربه، وهو قول الأكثرين.
والثاني: أنه فَرَّقَهُن أحياء، ثم دعاهن فأجبنه وعدن إليه، يستدل بعودهن إليه بالدعاء، على عَوْد الأموات بدعاء الله أحياءً، ولا يصح من إبراهيم أن يدعو أمواتاً له، قاله ابن بحر.
قال الماوردي: فإنْ قيل: فكيف أجيب إبراهيم إلى آيات الآخرة دون موسى في قوله {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143]، فعنه جوابان (?):
أحدهما: أن ما سأله موسى لا يصح مع بقاء التكليف، وما سأله إبراهيم خاص يصح.
والثاني: أن الأحوال تختلف، فيكون الأصلح في بعض الأوقات الإجابة، وفي بعض وقت آخر المنع فيما لم يتقدم فيه إذن.
وقرأ عاصم برواية أبي بكر {جُزْءًا} مثقلا مهموزا، والآخرون بالتخفيف والهمز، وقرأ أبو جعفر مشددة الزاي بلا همز {جزا} وأراد به بعض الجبال، الباقون مهموز مخفف، وهي لغات، ومعناه النصيب (?).
قوله تعالى: {ثُمَّ ادْعُهُنَّ} [البقرة: 260]، أي ثم: "نادهنَّ" (?).
قال النسفي: " قل لهن تعالين بإذن الله" (?).
قال الطبري: " أمر أن يقول لأجزاء الأطيار بعد تفريقهن على كل جبل: " تعالين بإذن الله " (?).
قال ابن عباس: " فدعا باسم الله الأعظم" (?).
وقال مجاهد: " باسم إله إبراهيم تعالين" (?).
قوله تعالى: {يَأْتِينَكَ سَعْيًا} [البقرة: 260]، أي: " يأتينك مسرعات" (?).
قال النسفي: " أي ساعيات مسرعات في طيرانهن أو في مشيهن على أرجلهن" (?).
قال السعدي: " أي: تحصل لهن حياة كاملة، ويأتينك في هذه القوة وسرعة الطيران" (?).
وللمفسرين في معنى قوله تعالى: {سعياً}؛ قولان (?):
أحدهما: أن (السعي) هنا بمعنى الطيران؛ فالمعنى: يأتينك طيراناً لا نقص فيهن؛ لأن سعي كل شيء بحسبه؛ وسعي الطيور هو الطيران.