القراءة الثانية: {قَالَ أَعْلَمُ}، على وجه الخبر عن نفسه للمتكلم به، بهمز (ألف) {أعلم} وقطعها، ورفع (الميم)، بمعنى: "فلما تبين له من قدرة الله وعظيم سلطانه بمعاينته ما عاينه، قال المتبيِّن ذلك: أعلم الآن أنا أنّ الله على كل شيء قدير" (?).
وبذلك قرأ عامة قرأة أهل المدينة، وبعض قرأة أهل العراق، وبذلك فسّر معناه، جماعة من أهل التفسير: منهم وهب (?)، وقتادة (?)، والسدي (?)، والضحاك (?)، وابن يد (?).
قال الطبري: " وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ: {اعْلَمْ}، بوصل (الألف) وجزم (الميم)، على وجه الأمر من الله تعالى ذكره للذي قد أحياه بعد مماته، بالأمر بأن يعلم أن الله الذي أراه بعينيه ما أراه من عظيم قدرته وسلطانه، من إحيائه إياه وحمارَه بعد موت مائة عام وبَلائه، حتى عادَا كهيئتهما يوم قبض أرواحهما، وحفظِه عليه طعامه وشرابه مائة عام حتى ردَّه عليه كهيئته يوم وضعه غير متغير، على كل شيء قادرٌ كذلك، وإنما اخترنا قراءة ذلك كذلك وحكمنا له بالصواب دون غيره; لأن ما قبله من الكلام أمرٌ من الله تعالى ذكره: قولا للذي أحياه الله بعد مماته، وخطابًا له به، وذلك قوله: {فانظر إلى طعامك وشرَابك لم يتسنَّه وانظر إلى حمارك ... وانظر إلى العظام كيف ننشزها}، فلما تبين له ذلك جوابًا عن مسألته ربَّه: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} قال الله له: {اعلم أن الله} الذي فعل هذه الأشياء على ما رأيت على غير ذلك من الأشياء قديرٌ كقدرته على ما رأيت وأمثاله، كما قال تعالى ذكره لخليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم بعد أن أجابه عن مسألته إياه في قوله: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى} {وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}، فأمر إبراهيم بأن يعلم، بعد أن أراه كيفية إحيائه الموتى، أنه عزيز حكيم، فكذلك أمر الذي سأل فقال: {أنّى يحيي هذه الله بعد موتها} بعد أن أراه كيفية إحيائه إياها أن يعلم أنّ الله على كل شيء قدير" (?).
وقال ابن عطية: قوله تعالى {قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، أي: "أنا أعلم أن الله على كل شيء قدير، وهذا عندي ليس بإقرار بما كان قبل ينكره كما زعم الطبري، بل هو قول بعثه الاعتبار كما يقول الإنسان المؤمن إذا رأى شيئا غريبا من قدرة الله: الله لا إله إلا هو ونحو هذا. وقال أبو علي: "معناه أعلم هذا الضرب من العلم الذي لم أكن علمته قبل" (?).
قال ابن عطية: يعني علم المعاينة" (?).
الفوائد:
1 - من فوائد الآية: بلاغة القرآن، حيث ينوع الأدلة، والبراهين على الأمور العظيمة؛ لقوله تعالى: {أو كالذي مر على قرية}؛ فهذه الآية وما قبلها، وما بعدها كلها في سياق قدرة الله عز وجل على إحياء الموتى.