قال الطبري: " والذي هو أولى بتأويل الآية من القول، أن يقال: أن الله تعالى ذكره، أخبر أنه حمل الذي وصف صفته في هذه الآية حُجة للناس، فكان ذلك حُجة على من عرفه من ولده وقوْمه ممن علم موته، وإحياءَ الله إياه بعد مماته، وعلى من بُعث إليه منهم" (?).
وفي قوله تعالى: {وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا} [البقرة: 259]، أربعة قراءات (?):
الأولى: {نُنْشِرُهَا} بالراء المهملة وضم النون، قرأ بذلك ابن كثير ونافع وأبو عمرو وذلك قراءة عامة قرأة أهل المدينة، بمعنى: وانظر إلى العظام كيف نحييها، ثم نكسوها لحمًا، قاله مجاهد (?)، وقتادة (?)، وابن زيد (?).
قال الطبري: " واحتج بعض قرَأة ذلك بالراء وضم نون أوله، بقوله: {ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ} [عبس: 22]، فرأى أنّ من الصواب إلحاق قوله: {وانظر إلى العظام كيف ننشرها} به." (?).
قال الماوردي: "والنشور: الحياة بعد الموت، مأخوذ من نشر الثوب، لأن الميت كالمطوي، لأنه مقبوض عن التصرف بالموت، فإذا حَيِيَ وانبسط بالتصرف قيل: نُشِرَ وأُنشِر " (?).
والقراءة الثانية: قرأ بها الباقون {ننشِزُها}، بالزاي المعجمة، يعني نرفع بعضها إلى بعض (?)، وذلك قراءة عامة قرأة الكوفيين.
وأصل (النشوز) الارتفاع، ومنه قيل: " قد نشز الغلام "، إذا ارتفع طوله وشبَّ، ومنه " نشوز المرأة " على زوجها، بأن تطيح ببصرها إلى بشر صارفة له عن زوجها، كقول الفرزدق (?):
إدا جلست عند الإمام كأنها ... بها رفقة من ساعة يستحيلها
وكقول الأخر (?):
إذا الليل عن نشز تخلى رميته ... بأمثال أبصار النساء القواري
ومن ذلك قيل للمكان المرتفع من الأرض: " نَشَز ونَشْز ونشاز "، ، فإذا أردت أنك رفعته، قلت: " أنشزته إنشازًا "، و " نشز هو "، إذا ارتفع (?).
فمعنى قوله: " {وانظر إلى العظام كيف ننشزها} في قراءة من قرأ ذلك بالزاي: كيف نرفعُها من أماكنها من الأرض فنردُّها إلى أماكنها من الجسد" (?). وبه قال ابن عباس (?)، والسدي (?).