قال ابن عاشور: " وإنما انتفى هدي الله لقوم الظالمين لأن الظلم حائل بين صاحبه وبين التنازل إلى التأمل من الحجج وإعمال النظر فيما فيه النفع إذ الذهن في شاغل عن ذلك بزهوه وغروره، والآية دليل على جواز المجادلة والمناظرة في إثبات العقائد، والقرآن مملوء بذلك، وأما ما نهي عنه من الجدل فهو جدال المكابرة والتعصب وترويج الباطل والخطإ" (?).
قال الطبري: " (الظلم): وضع الشيء في غير موضعه، والكافر وضع جحوده ما جحد في غير موضعه، فهو بذلك من فعله ظالم لنفسه" (?).
وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: {واللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258]، وجهين (?):
أحدهما: لا يعينهم على نصرة الظلم.
والثاني: لا يُخلِّصُهم من عقاب الظلم.
ويحتمل الظلم هنا وجهين (?):
أحدهما: أنه الكفر خاصة.
والثاني: أنه التعدي من الحق إلى الباطل.
الفوائد:
1 - من فوائد الآية: بلاغة القرآن الكريم في عرض الأمور العجيبة معرض التقرير، والاستفهام؛ لأن «التقرير» يحمل المخاطَب على الإقرار؛ و «الاستفهام» يثير اهتمام الإنسان؛ فجمع بين الاستفهام، والتقرير.
2 - ومنها: بيان كيف تصل الحال بالإنسان إلى هذا المبلغ الذي بلغه هذا الطاغية؛ وهو إنكار الحق لمن هو مختص به، وادعاؤه المشاركة؛ لقوله: {أنا أحيي وأميت}.
3 - ومنها: أن المحاجة لإبطال الباطل، ولإحقاق الحق من مقامات الرسل؛ لقوله تعالى: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه}.
4 - ومنها: الإشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يتعلم طرق المناظرة، والمحاجة؛ لأنها سُلَّم، ووسيلة لإحقاق الحق، وإبطال الباطل؛ ومن طالع كتب شيخ الإسلام ونحوها تعلَّم المناظرة - ولو لم يدرسها فناً.
5 - ومنها: أن النعم قد تكون سبباً للطغيان؛ لأن هذا الرجل ما طغى وأنكر الخالق إلا لأن الله آتاه الملك؛ ولهذا أحياناً تكون الأمراض نعمة من الله على العبد؛ والفقر والمصائب تكون نعمة على العبد؛ لأن الإنسان إذا دام في نعمة، وفي رغد، وفي عيش هنيء فإنه ربما يطغى، وينسى الله عز وجل.
6 - ومنها: صحة إضافة الملكية لغير الله؛ لقوله تعالى: {أن آتاه الله الملك}.
7 - ومنها: أن ملك الإنسان ليس ملكاً ذاتياً من عند نفسه؛ ولكنه معطى إياه؛ لقوله تعالى: {أن آتاه الله الملك}؛ وهذه الآية كقوله تعالى: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء} [آل عمران: 26].
8 - ومنها: فضيلة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-، حيث قال مفتخراً، ومعتزاً أمام هذا الطاغية: {ربي}؛ فأضافه إلى نفسه، كأنه يفتخر بأن الله سبحانه وتعالى ربه.
9 - ومنها: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل؛ لقوله تعالى: {يحيي ويميت}؛ وهذه المسألة أنكرها كثير من علماء الكلام؛ وعللوا ذلك بعلل عليلة؛ بل ميتة لا أصل لها؛ لأنهم قالوا: إن الحوادث لا تقوم إلا بحادث؛ وإن الحوادث إن كانت كمالاً كان فقدها نقصاً؛ وإن كانت نقصاً فكيف يتصف الله بها! إذاً هي ممتنعة؛ لأنها نقص على كل تقدير؛ وحينئذٍ يجب أن ننزه الله عنها، وأن تكون ممتنعة عليه؛ والجواب عن ذلك أن