قال السعدي: " الذي تتضائل عند عظمته جبروت الجبابرة، وتصغر في جانب جلاله أنوف الملوك القاهرة، فسبحان من له العظمة العظيمة والكبرياء الجسيمة والقهر والغلبة لكل شيء" (?).

وقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى {الْعَظِيمُ} [البقرة: 255]، وذكروا فيه ثلاثة أوجه (?):

الأول: قالوا: {العظيم}، معناه: المعظم الذي يعظمه خلقه ويهابونه ويتقونه.

أي: أن معنى {العظيم} في هذا الموضع: المعظم، صرف (المفعل) إلى (فعيل)، كما قيل للخمر المعتقة، خمر عتيق، كما قال الأعشى (?):

وكأن الخمر العتيق من الإس ... فنط ممزوجة بماء زلال

قال ابن عطية: " {الْعَظِيمُ} هي صفة بمعنى عظم القدر والخطر، لا على معنى عظم الأجرام" (?).

الثاني: وقيل: {العظيم}، هو أن له عظمة هي له صفة.

وقالوا: لا نصف عظمته بكيفية، ولكنا نضيف ذلك إليه من جهة الإثبات، وننفي عنه أن يكون ذلك على معنى مشابهة العظم المعروف من العباد، لأن ذلك تشبيه له بخلقه، وليس كذلك، وأنكر هؤلاء ما قاله أهل المقالة الأولى، وقالوا: لو كان معنى ذلك أنه (معظم)، لوجب أن يكون قد كان غير عظيم قبل أن يخلق الخلق، وأن يبطل معنى ذلك عند فناء الخلق، لأنه لا معظم له في هذه الأحوال (?).

الثالث: وقال آخرون: "بل قوله: إنه (العظيم) وصف منه نفسه بالعظم، وقالوا: كل ما دونه من خلقه فبمعنى الصغر لصغرهم عن عظمته" (?).

الفوائد:

1 - من فوائد الآية: إثبات هذه الأسماء الخمسة؛ وهي {الله}؛ {الحي}؛ {القيوم}؛ {العلي}؛ {العظيم}؛ وما تضمنته من الصفات.

2 - ومنها: إثبات انفراد الله تعالى بالألوهية في قوله تعالى: {لا إله إلا هو}.

3 - ومنها: إبطال طريق المشركين الذين أشركوا بالله، وجعلوا معه آلهة.

4 - ومنها: إثبات صفة الحياة لله عز وجل؛ وهي حياة كاملة: لم تسبق بعدم، ولا يلحقها زوال، ولا توصف بنقص، كما قال تعالى: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} [الحديد: 3]، وقال تعالى: {وتوكل على الحي الذي لا يموت} [الفرقان: 58]، وقال تعالى: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} [الرحمن: 27].

5 - ومنها: إثبات القيومية لله عز وجل؛ لقوله تعالى: {القيوم}؛ وهذا الوصف لا يكون لمخلوق؛ لأنه ما من مخلوق إلا وهو محتاج إلى غيره: فنحن محتاجون إلى العمال، والعمال محتاجون إلينا؛ ونحن محتاجون إلى النساء، والنساء محتاجة إلينا؛ ونحن محتاجون إلى الأولاد، والأولاد يحتاجون إلينا؛ ونحن محتاجون إلى المال، والمال محتاج إلينا من جهة حفظه، وتنميته؛ والكل محتاج إلى الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد} [فاطر: 15]؛ وما من أحد يكون قائماً على غيره في جميع الأحوال؛ بل في دائرة ضيقة؛ ولهذا قال الله تعالى: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} [الرعد: 33]؛ يعني الله؛ فلا أحد سواه قائم على كل نفس بما كسبت.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015